يمثل سعيد السلاوي أحد التجارب التي تؤثث الفضاء التشكيلي المغربي الراهن. تحاول أعماله أن تنحت أسلوبا تشكيليا في التعامل مع اللون، والإضاءة والفضاء، انطلاقا من تَمثُّل جدلية الإيقاع واللون من جهة؛ والشكل والنسيج من جهة أخرى. ولعل العناصر الثلاثة اللون، الشكل والنسيج، تشكل أنساق علامات تعيد توزيع الأشياء وتنظيمها وفق قانون التخييل.
إن العلامة في لوحة هذا الفنان، تحاول أن تسبر حدود اللون وعلاقته بالعالم. فنستشف هيمنة اللون الأزرق بكل تدرجاته، ودواله التي تحيل على عمق التفكير في الوجود، والأشياء والكائنات والطبيعة وسبر حدود التخييل، من خلال تمثيل انزياحات الشكل. فالعلامة كما نشاهد في اللوحة إما أن تكون أيقونا ينتهك الواقع، أو مؤشرا يحيل إلى الطبيعة، كما سنعاين من خلال الأخضر، أو رمز كما سنشاهد من خلال الأزرق /العمق، ومركز الوجود وسر الحياة حين يتشاكل مع الماء، أو السعادة حين يتعلق الأمر بالإضاءة.
وفي هذا الإطار تمثل اللوحة جدلية اللون والشكل، فبلاغة اللون تتوزع بين المجاز المرسل، حين تغيب المشابهة بين طرفي التشبيه مثل شكل الأخضر، أو الاستعارة التصريحية، حين يغيب المشبه على غرار توظيف الأصفر، الذي يُرسخ وجه شبه يرتبط بالقساوة في فضاء الأرض، ورغم ذلك، يتجاوز اللون حدود هذه الأدوات البلاغية في بعده التجزيئي الضيق، إلى بناء فضاءات أكثر شمولية تتمثل من خلال بلاغة العلامة.
وهكذا يمكن القول، إن هيمنة الأزرق تعكس سيميوز اللون، في علاقته بالعناصر اللونية الفرعية، وطرق إنتاج الدلالة. وينزع تخييل الذات إلى تقويض المرجع، لصالح شكل التعبير في اللوحات، كما نستشف من خلال الأشكال التي تجسد كائنات إنسانية وهي بين القلق والسعادة، أو في بحث دؤوب عن الذات وسبر لحدود الوجود. وهي الذوات التي تتجسد من خلال التمثل الأيقوني للأشكال محاولة اختراق الحدود والبحث عن العمق، الذي يمكنها من ملامسة لانهاية معاني الحياة، كما نستشف من خلال حضور جدلية الأزرق الأخضر، أو الأزرق والأحمر..
إن تركيب الألوان في اللوحة يشتغل على البحث عن موضوع العالم في علاقته بأثر الذات المتلفظة. وهذا ما نستشفه من خلال علاقة الأزرق بالأبيض، أو علاقة الأزرق بالأخضر، ومن خلال علاقات التضاد والتناظر بين الألوان. وهو نسق العلاقات الذي يولد رسالة اللوحة وهي تحاكي الوجود. ويتحول هذا الوجود ذاته إلى مجرد أثر من آثار العالم، أو الطبيعة أو الكائنات التي تتشبث بحواف الحياة، في ظل قساوة يكشف عنها حضور هذا التضاد اللوني بين الأصفر والأزرق والأحمر.
إن مجمل لوحات الفنان سعيد السلاوي سفر عميق بين تشققات وقلق في الحضارة، إذا استعرنا عنوان مؤلف سيغموند فرويد. وهو قلق يكسر رتابة اللون الساخن وأسلوب الشكل الكلاسيكي، وفي الآن نفسه يضع حدودا للتجريد في إطار البحث عن موضوع قيمة ورسالة اللوحة. وهو موضوع يتوزع بين الحضور والغياب، كما جسدهما جاك ديريدا في كتابة الاختلاف. وفي ظل هذه القساوة التي يكشف عنها عنف اللون الأحمر والبني ورمزية الأصفر، تجد الذات نفسها وهي تعيش ألم غياب معنى للوجود. إن بلاغة اللون تختلف بالتأكيد عن بلاغة الخطاب السينمائي كما يظهر من حركات الكاميرا، كما تختلف عن بلاغة النص الشعري التي تجسد محاكاة من الداخل، وتختلف أخيرا عن بلاغة لغة الصورة الفوتوغرافية التي تحاول البحث عن معنى مضاعف لحياة الصورة ؛ وإنتاج سيرورة دلالية خاصة، فهي بلاغة تتجسد من خلال جدلية الشكل واللون، ومن خلال نظام العلامات المولد لأثر المعنى. وتأسيسا على ذلك، تنبني البلاغة التشكيلية على نسق اشتغال العلامة /اللون، وعلاقتها التركيبية بالألوان الأخرى، التي تنتج عن قانون التحويل.

إن موضوع اللوحة يختفي هنا لصالح الأثر الذي تنسجه الذات في مواجهة الفضاء الذي تسعى الكائنات الإنسانية إلى التشبث بحوافه، وبالتالي التعلق بالحياة. فحافة اللوحة علامة تتشكل من خلال بلاغة الأسود، التي تقاوم حدود الوجود التي تضيق بالتلفظ. فنحن داخل مشاهد تشكيلية تشتغل على تفكيك علامات الألوان. وهي الألوان التي أوحت به الذات وهواجسها الداخلية، ومشاعرها التي تسيل داخل اللوحة.
تنزع لوحات سعيد السلاوي إلى منحنا أفقا لانهائيا لقراءة شديدة الارتباط بالذات وتشكل العالم، وعناصره التي تلتقطها اللوحة، كأنها أشياء ضائعة، تتوغل في علوم النظر. فاللون الأزرق ومن خلاله الإضاءة الخافتة للون، تحاول أن تبحث عن شيء ما ضائع في اللاوعي البعيد لذات تحاول أن تستقل بتخييل اللوحة، من خلال ما أطلق عليه منظرو بلاغة تركيب الألوان. فيتدرج اللـــــون من المضيء إلى الخافت، ومن الأصلي إلى الفرعي ليحمل الذات إلى محاولة البحث عن شيء ما غير مكتمل في العالم، والذي تحاول اللوحة محاكاته، بدون أن تعثر على أشكال مثالية. وهو ما يضع المشهد البصري أمام قلق فعلي في أفق اللوحة، يتجسد من خلال هذا التدرج اللوني المذكور آنفا.
إن إيقاع اللون متحرك متشابك، يحاول أن يبحث في العمق الضائع وعنف الألوان التي تعكس مواضيع الواقعية، وتناقضاته، كما نكتشف من خلال علاقات الألوان داخل مساحة الشكل، وفضاء اللوحة، وهو يمور، كاشفا لحظة فيض وجداني كما تمثله إضاءة الأزرق.
إن الأزرق يتمثل في اللوحة باعتباره العلامة المهيمنة، إذا أردنا أن نستعير مفهوم ياكبسون الوظيفة المهيمنة بصورة معدلة. إنه يرتبط فيزيائيا بباقي العلامات التي تشكل نسق علامات ألوان يتقاطع فيها ألوان الضوء، بألوان باردة. وكأن الفنان أراد أن يضع حدودا للبصري من خلال رمزية الأزرق المرتبطة بالماء، الذي يتشاكل مع فعل الحياة ليشكل عالم تخييل اللوحة ويمنحنا معنى الحياة. إن الأزرق هنا الرحم النصي الذي يولد معاني لانهائية غائبة عن الذاكرة، ونحن مطالبون بالبحث عنها في طبقات اللون.
إن طبقات اللون وموقع الأزرق المضيء العميق والمهيمن، يعكس عكس ما يوحي به السطح الذي تطفو عليه ألوان الطبيعة والكائنات، فهو عمق يجلي نقاء داخليا وطهارة تحاول أن تفيض بهذا الشعور الحالم. ولذا تشكل الخطوط المتداخلة والمتشعبة هذا القلق الوجودي.
فنجد أنفسنا أمام مشهد الألوان التي تتراوح بين كائنات تواجه تراجيديا الوجود وتعكس غموض وعدم فهم للعالم، كما نستشف من خلال الأسود في إحدى اللوحات. ففي اللوحة أسفله تداخل شكلي يشكل كتلة جسدية، تبحث عن أفق داخل بلاغة الأزرق الذي ينسج علاقة رمزية بالماء بالكتلة الجسدية. هذه العلاقة تتعمق من خلال أشكال أو ما سماه أصحاب «بلاغة مو» قوافي اللون، في محاولة لاختراق حافة اللوحة والتحرر من ألم رمزية الأحمر، وقساوة أصفر الصحراء.
إن إيقاع اللون متحرك متشابك، يحاول أن يبحث في العمق الضائع وعنف الألوان التي تعكس مواضيع الواقعية، وتناقضاته، كما نكتشف من خلال علاقات الألوان داخل مساحة الشكل، وفضاء اللوحة، وهو يمور، كاشفا لحظة فيض وجداني كما تمثله إضاءة الأزرق. فاللوحة تضعنا في جو شعوري يكشف آثار التلفظ.
إن الأزرق في هذا اللوحات ذاكرة الذات/العالم، والعلامة التي تولد لانهائية المعاني، ورسالة الذات في علاقتها المتشعبة بتشكل الحياة، وأعماق الذات. فبينما يظهر اللون الأزرق هادئا وتطفو على سطح مياهه أحلام الذات وهواجسها، يبدو أحيانا أخرى متحفزا للحياة؛ ولكن في بعض الأحيان يمور ويضطرب في مواجهة قضايا الذات، والعمق الذي ينحث كينونته المفقودة. فكأن الذاكرة تحتوي أشياء كثيرة لا نستطيع الوصول إليها. إننا أمام (بلاغة مو) للون الأزرق، لا تكاد تستنفد معاني وموضوعات العالم، أو ما سماه ديريدا تشتيت المعاني. ولذا فالأزرق المضيء، يمنح عنصري الشكل والنسيج، صورة البحث عن الأشياء، من خلال وسيط رمزي وهو بلاغة اللون. اللون الذي يعيد صياغة العالم والأشياء وفق جدلية التخييل، والواقع المدرك كصورة، أو شكل يمنحه التركيب اللوني بعدا تكميليا من أجل الإمساك بموضوع الذاكرة المنفلت.
هكذا نجد الرسم على حافة اللوحة، يشكل دالا من دوال الخطاب. هكذا يظهر في معظم لوحات الفنان جدل الأزرق والبني. الأزرق/ الماء/العمق بكل تفاصيله كما يظهر من تدرج اللون إلى أن يتركز الأزرق في عين اللوحة ومركزها، وكأن العالم في اللوحة كان عرشه على الماء. والملاحظ أن رسالة اللوحة تستفز البصر للبحث عن المعنى الغائب في ذاكرة اللون.
٭ كاتب من المغرب



