"تعالَ وذُق قهوتي يا مالك. منذ مجيئِك لم نتحادث قطّ"
"حَسنًا. سأضع ثيابي في المَغسل، وألحَق بك"
وذهب مالك إلى المغسل. ثمَّ جاءَ وجلسَ على مقعدٍ خشبيٍّ مهترئٍ بمحاذاة الجدار، ورَكوة القهوَة وفنجانا البلاستيك بُقعَة مشترَكة بينَه وبين اسبيرو. وسحبَ هذا الأخير علبة لفافاتِه وأعطى الشَابّ واحدة وأشعلها له، وأشعل أيضًا واحدة لنفسِهِ ومَجَّ مجَّتَين. وسأله
بفضوليَّةٍ لاهثة وراءَ خبَر جديد:- ما القضيَّة يا مالك؟ ما هي تهمتُك؟
فنظرَ الشابّ إلى الرَّجُل الخمسينيّ اسبيرو، يقرأ في جغرافيا وَجهِهِ تاريخًا حافلاً من العربدَة والقساوَة. وعادَ إلى فنجانِه ورشف منه رشفةً وقال:
- أخبَروني عنك هنا يا اسبيرو. أنت سجين مزمن، وخبير في الجريمَة والمجرمين، ماذا رأيت فيَّ؟
فأجابَ اسبيرو:
- أنتَ شابّ في أوَّل عمرك.. تهريبَة حَشيشة!
وانفجرَ مالك يضحك ضحكةً لم تُخفِ ألمًا طافيًا على دَفقاتِ محيّاه. ثمَّ استدارَ نحو جليسِه جاحظ العَينَين وقال مقتضبًا:
- أنا عميل.
فهَمهَم اسبيرو وقال:
- هكذا إذًا.. ألن تخبرَني القصَّة؟ فراحَ مالك عندئذٍ يروي للرَّجُل السَّجين مأساتَه:
- بدأت حِكايتي يا "خال" مع الصَبيَّة الفاتنة لَيَال.. عندما جِئنا وسَكَنّا في ذلك الحَيِّ الشَّعبيّ المتناثر بين بساتين اللَّوز واللّيمون وجِلالِ الزَّيتون، ما خلا بعض الأبنية الفخمَة، تلكَ التي يملكُها أثرياءُ موالون للحِزب وآخرون معارضون. ولسوءِ طالع "مَحسوبَك" أنّني أغرمتُ بالصَبيَّةِ ذات الجمال الآسر ابنةِ أحد المتنفّذين هناك. ولتعاسة حَظّي أنَّها بادلتني الحبّ هي أيضًا، ولِبِئس مَصيري أنَّ ابنَ عمِّها حَسيب المسؤول في الحِزب مُتيَّم بها هو الآخر، ويغارُ عليها من نسَماتِ الرِّيح.
"يا للحَظّ العاثر!" قال اسبيرو ووَجهُه يضحكُ بصَمت. وتابع مالك:
- كنت متهيّبًا المأزق الذي أنا واقع فيه. وعَنَّ لي مرَّاتٍ الانسحاب من هذه اللّعبَة غير الممتِعَة.. إلاّ أنَّ الفتاة صارحَتني ذاتَ يوم بأن نتزوَّجَ "خَطيفة"!
- الحُبُّ كفاح يا صَديقي.. ومغامرَة، قاطعَه اسبيرو. وعاد مالك وتابع:
- وهذه هي النّتيجَة. الهامّ أنّنا اتّفقنا على أن أخطفَها، مع معارضَة والدَيّ الشَّديدَة. فانتظرَتني، في ليلةٍ من بواكير الصَّيف، بينَ الزّيتون على طريقٍ فرعيَّة في ظاهر البلدَة، وتركَت حقيبَة ثيابِها عند صديقتِها، لكي تحضرَها إليها بعد يومين إلى الفندق الرِّيفيّ في الشّمال الذي سوف نقصدُ إليه. وبعد يَومٍ واحد ونحن، ليَال وأنا، ننتظرُ في الفندق وصول الصَّديقة و"الصُّندوقة".. إذا بوالد لَيَال وأخيها وابنِ عمِّها العاشق الغيور يقتحمون غرفتَنا في الفندق ويخطفون منّي "خَطيفَتي" الفاشلة.
فانفجَرَ اسبيرو يَضحك ملءَ قلبِه. ثمَّ سأل: وكيف عرفوا مكانَك؟ فأجابَ مالك:
- من صديقتِها! لقد فتّشوا البيتَ عَنوَةً فوجدوا الحَقيبَة.
وقال اسبيرو وهو ينَفّخُ سيكارتَه ويحسو القهوَة بلذّة: قصَّتُكَ مشَوّقة. هه.. وماذا بَعد؟
قال مالِك:
- لقد أقامَ ابنُ عمِّها حَسيب شابَّين من الحِزب لحراستِها قريبَين من المنزل. وأنا يئستُ كليًّا من هذا الغرام الخائب. ولكنَّ الفتاة عادت واتّصلَت بي بعد شهرَين، ليس بواسطة الموبايل لأنَّه مراقَب، ولكن بواسطة صديقتها التي أوصلَت إليَّ الرّسالة.
- وما مضمون الرّسالة؟ سأل اسبيرو، وأجابَه مالك:
- أنّه يجب أن نُعيدَ الكرَّة ثانية.. أي "الخَطيفة".. ونغادر البلادَ مِن فورِنا في اليَومِ نفسِه. وهكذا كان. ورحنا طيلة أشهرٍ ثلاثة نعِدُّ أورَاقَنا للسّفَر إلى السّوَيد، حيث تُقيم عمَّتي المطلَّقة في غوتنبرغ. وكان هناك عقبَة كبيرة أمامَنا.. وهي الملاكان الحارسان لأميرَتي الوَلوع! فعمَدَت ليَال إلى ترحيل حَقيبتِها بالتَّقسيط على دُفعاتٍ إلى الصَّديقة الشُّجاعَة، ثمَّ جاءَت إليها في اللّيلة المعيَّنَة للسَّفَر لكي تنامَ عندَها، والعيونُ الأربَعَة مختبئَة في مكانٍ ما ترصدُنا. فوضَعَت صديقة ليَال خطَّةً لافتعالِ شِجارٍ بينَها وبينَ حبيبٍ لها مَزعوم اتّفقَت معَه. فجاءَ هذا الحَبيب في تلكَ اللّيلة ونادى الصَّديقة وخرجَت إليه، ودارَ الشّجارُ والتّدافع بينهما.. والصَّخَب والصّياح.. حتّى تألَّبَ جيران المحَلّة. وهكذا انبثق رجُلا حَسيب من الظّلمَة وأنهيا هذه المُشكلة الخِدعَة. وكانت ليَال عندئذٍ قد أصبحَت خارجَ البَيت بعيدًا، حيث كنت أنتظرُها. ولاحَ لي بأنّي نجَحت هذه المرَّة. وشُدَّ ما كانتِ المفاجأة في المَطار، حيث قال لنا الموظّف أنَّ هناكَ إشارَةً مانعَة! وهكذا أصبَحنا تائِهَين جاهلَين ماذا نفعَل. ولا أدري من أين خرَجَت أشباحُ حَسيب.. رجالٌ أربَعَة مسحورون كما من قمقم! فأخذوا لَيَال بسيَّارَة، وأركبوني أنا بسيّارَةٍ أخرى مَعصوب العَينَين. وفي مكانٍ ما أجهلُه.. أشبعوني ضربًا مبرّحًا بتهمَةِ أنّي عنصُر مُثير للشَّغَب.
- وهل أنتَ مُحازب يا مالك؟
- لا مُحازب ولا مَن يَحزَنون يا خال!
- وماذا فعلت؟
- إنسحابٌ تكتيكيّ من هذه الوَحلةِ المُهينَة..
- ليَنتهيَ بكَ المَطاف في مَذلَّةٍ تاريخيَّة مدَوّيَة.. هنا في السِّجن. فقال مالك:
- في المرَّة الثالثَة لم أخطفْها أنا.. بل هيَ التي خَطَفتْني!
- يا للوَقعَة المَنحوسَة، قال اسبيرو وهو يهزُّ رأسَه.
- لقد ارتبَطَت لَيَال رَسميًّا بحَسيب بالخطوبَة لتجعلَه يطمئنُّ لها. ثمَّ أوهمَته بأنَّها ذاهبَة إلى دمشق لشِراءِ ما تحتاجُه استعدادًا للزَّواج. ولكنَّها سافرَت خفيةً إلى السّوَيد وحلَّت ضيفةً عندَ عَمَّتي المُطلَّقة التي رحَّبَت بالمَشروع. واتّصلَت بي عمَّتي من السّوَيد تدعوني إلى الذَّهاب وإتمام هذه الطّبخَة المَسمومَة منذ بدايتِها.
- هذه الفتاة تحبُّك لدرجَة الجنون يا رَجُل! قال اسبيرو.
- وأنا المَجنون أكثرَ منها لأنَّني أذعَنتُ لتَهوُّراتِها. ورشفَ مالك رشفةً من قهوتِه وتابع:
- رَتَّبتُ أموري وسافرتُ بعد ثلاثة أسابيع من دَعوةِ عمَّتي. ولكنّي شعرتُ في قلبي بأنَّ مصيبَةً تنتظرُني. ولكنَّه الحُبّ وهذه ضَريبَتُه! بعدَ 48 ساعة من وصولي إلى منزل عَمَّتي في غوتنبرغ، أحاطَ بالمنزل عناصر من الشُّرطة السُّوَيديَّة، ودخلوا واعتقلوني، وأمروني بالعَودَة إلى لبنان بطلبٍ من الإنتربول. وعندما وصَلت.. وجدتُ أنَّ تهمَةَ (الخيانة العُظمى) كانت في استقبالي في المَطار.
وراحَ اسبيرو يضحكُ عاليًا.. ثمَّ قال:
- الله يرحمَك يا أصمَعي.. ألا تعرف ماذا قال الشّاعر الأصمَعي يا مالك؟
- وماذا قال؟ سألَ مالك.
- ومن الحُبِّ "مُعتَقَل". وراحَ يضحكُ ثانية بلا توقّف.
(كانون الثاني 2022)
*كاتب من لبنان.


