يسعد ربراب، أغنى رجل في الجزائر، رجل يزن ذهباً وقناطير من الدولارات، وثاني أغنياء العرب، قرر وقف صحيفة «ليبرتي» التي يمتلكها. بعد ثلاثين سنة من الوجود، تختفي واحدة من أهم الصحف التقدمية في الجزائر، والسبب غير معروف. فربراب لا وقت لديه من أجل تبرير الأسباب والخلفيات، يأمر فقط لا يُناقش، الرجل في سفر دائم من قارة إلى أخرى، من بقاع باردة إلى أخرى دافئة، بين مصانع الزيت وحقول السكر والقهوة، يقضي جل وقته في طائرة، وفي متابعة صفقات بيع وشراء، ومن غير اللائق أن نطلب منه نشر بيان أو تنظيم ندوة صحافية يشرح فيها علة وأد جريدة، رافقت الجزائريين، منذ سنوات الموت في التسعينيات، وكانت مستقراً لأهم الصحافيين، تخرجت فيها أجيال، ولحد الساعة لا يصدق الناس أنها لن ترى النور من جديد.يسعد ربراب قرر وقفها وقراره لا رجعة فيه، لن تفيدنا كلمات رثاء أو عتاب أو غضب، لكن من المهم أن نتأمل كيف يفكر أصحاب المال في الإعلام والثقافة. كيف يتعامل أثرياء الجزائر مع الصناعة الثقافية، لماذا لا يمدون إليها يد عون، فيستفيدون ويُفيدون، لماذا يتمسكون بهجرها، ومراكمة المال من جهات أخرى.
حقق قطاع الثقافة في فرنسا العام الماضي، رغم إكراهات كورونا، رقم أعمال يعادل 100 مليار يورو، وهو رقم يقارب مجمل الناتج الخام في الجزائر. من المهم أن نستعين بفرنسا في إعطاء الأمثلة، بحكم أن ربراب ومن مثله يقضون كل سنة وقتاً لا بأس به في هذا البلد، كما أنهم مولعون بالثقافة الفرنسية، بأفلامها وكتبها ومجلاتها وأزيائها، بصور إيزابيل أوبير وسجالات ميشال ويلباك. بينما في الجزائر نخجل من ذكر الأرقام التي تحققها الصناعة الثقافية، بل هناك من الناس البسطاء من يدفع من جيبه قصد دفع العجلة إلى الأمام. كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ مما لا شك فيه أن احتكار الحكومات المتعاقبة للشأن الثقافي أساء للثقافة في حد ذاتها، جعلها في ذيل اهتمامات الناس، فتحولت مع مرور السنوات إلى مرادف للفلكلور، إلى مجرد رقص وحلي تقليدية ومتاحف تعيش فيها حشرات أكثر من البشر. حيث دأبت الجهات الرسمية على حصر كل ما هو ثقافي في تكرار نشاطات لا تخرج عن خدمة الخطاب السياسي، وفي الترويج لصورة زائفة عن الثقافة والمثقفين. هذا ما جعل أصحاب المال يصرفون النظر عنها، وإن بادروا إلى دعمها فإنما لأغراض موسمية، غير مدركين ما يضيعونه من إدارتهم ظهورهم لها.
شجرة في الجزائر وثمارها في الخارج
الجميع يعرف نجوم الغناء في الجزائر، من أمثال الشاب خالد، لكن القليل من الناس من يعلم أن أكبر مستفيد من نجاحاتهم إنما شركات إنتاج فرنسية، بحكم أن الجزائر لا تتوفر على شركات إنتاج حقيقية، ما حرمها مداخيل مهمة، والأمر ينطبق على قطاعات ثقافية أخرى، حيث أن سوق الكتاب لا يزال يغرق في فوضى، دور نشر تائهة في غياب شركات توزيع محلية، الحالة نفسها في السينما، في بلد لا يعرف شيئاً اسمه قاعات خاصة، في بلد راجت فيها شائعات إنشاء مدن تصوير دون أن تتحقق، فكل ما يعرض من أفلام حكر على الحكومة، والمنشآت ملك لها أيضاً، إذا واصلنا معاينة الحال سنجد أن المسرح كذلك، وقطاع الصحافة، والميديا الرقمية، فنحن محكومون بطلب معونة من جهة رسمية، من أشخاص بيروقراطيين لا يفقهون غالباً شيئاً في الثقافة، أو بمبادرة فردية، عمرها قصير ودائماً ما تؤول إلى فشل، إزاء هزال رأس المال، بينما أصحاب الثراء، من أمثال ربراب، يفضلون الاستثمار في أشياء أخرى، في فريق كرة قدم أو في شركة استيراد وتصدير، فالاستثمار في البطون تجارة مربحة وهم محقون في خيارهم، فالغذاء في نظرهم أهم من الكتاب، ألف كتاب لن يغنيك من جوع، لكنهم يضيعون على أنفسهم سوقاً ثقافية مهمة، تجني ثمارها جهات أجنبية، سوق الألعاب الإلكترونية، أو سوق الفن التشكيلي، سوق الأرشيف أو سوق الموضة، كلها ميادين كان من الممكن الاستثمار فيها، ولن تكلف الكثير، لكن رجل الأعمال في الجزائر ينظرون إلى الثقافة نظرة ازدراء، لا يقرؤون ولا يشاهدون فيلماً، مهتمون بمشاهدة وقراءة الحسابات البنكية، والحكومة لم تفعل شيئاً قصد إتاحة الفرصة لهم في المساهمة في العملية الثقافية، لم تتح مناخاً مريحاً للاستثمار، بالتالي لم يعد بوسع المثقفين أو المهتمين بالثقافة سوى التسول، أن يجلسوا مثل شحاذين على رصيف، ويمدوا أيديهم لمن يعطف على حالهم ويرزقهم بالدينار القليل.
عدم أولوية الثقافة
خمسة وزراء تناوبوا على وزارة الثقافة في الجزائر في السنوات الثلاث الماضية، إنه رقم قياسي ومؤشر غير مطمئن، كما لو أن تلك الوزارة باتت لعنة، كل من يجلس على كرسيها لا يترقب سوى إنهاء مهامه، ما يعني أن القطاع ليس أولوية، ليس خياراً استراتيجياً، بل هو زائدة أو مجرد واجهة، وفي ظل عدم الاستقرار، يستحيل أن نرجو تغيراً نحو الأفضل، بالإضافة إلى أن الميزانية الهزيلة التي تحظى بها في كل سنة، ما يحتم كل مرة لجوءاً إلى التقشف ووقف الإعانات على مجالات حساسة، مثل السينما، بما أن الحكومة تتعامل مع الثقافة بوصفها أمراً ثانوياً، فليس بوسعها إقناع الخواص المشاركة في دعمها.
يكفي أن نلتفت يميناً أو شمالاً، إلى جيراننا، ونرى حجم استثمارات الخواص في مجال الثقافة، استثمارات في البنى الثقافية، أو في تنظيم الأحداث والمناسبات، بينما البورجوازية المحلية في الجزائر لا يعنيها ما يدور في الجوار، مكتفية بعد بواخر السلع التي تدخل أو تخرج من الميناء، ويأتي قرار ربراب الأخير بوأد جريدة «ليبرتي» مثل هزة لها ارتدادات، لا تعني فقط وقف مطبوعة، بل إنه يعلم أقرانه ألا فائدة من الاستثمار في هذا القطاع، ويصد الباب إزاء أي محاولة مماثلة في المستقبل. لا نعلم إن كان الرجل الآن في السماء أو في الأرض، في طائرة أو في سيارة، لكننا نعلم على الأقل، أنه أثبت ألا أمل يرجى من إدماج البورجوازية في الحركة الثقافية في البلاد.
روائي جزائري



