من مع علي ومن مع معاوية؟ من يقف في صف الحسين ومن يقاتل في معسكر يزيد؟ من يترحم على عثمان ومن يسب عائشة؟ من مع «النواصب» الذين ناصبوا عليا
العداء، ولم يروه الأحق بخلافة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن مع «الروافض» الذين رفضوا خلافة أبي بكر لصاحبه قبل 14 قرنا وزيادة.
هذا ليس مشهدا من فيلم تاريخي عن الفتنة الكبرى بين المسلمين بعد وفاة النبي (ص) قبل 14 قرنا.. هذا مشهد من الحاضر، موجود صوتا وصورة وكتابة وخطبا ورصاصا وحروبا وسياسة وإعلاما في العراق وسوريا واليمن والبحرين والسعودية وإيران ولبنان والكويت.
وقريبا سننسى في العالم العربي كل التصنيفات الفكرية والسياسية والقومية الحديثة، فهي بدعة غربية، سنصير إما سنة أو شيعة، إما وهابيين أو اثناعشريين، ولا منطقة وسطى بين المذهب والمذهب، لا مكان في بلاد يعرب للتصنيفات الغربية التي لم تعد تفي بالغرض. لا مكان في الجاهلية العربية المعاصرة لليسار واليمين، للحداثي والمحافظ، للديمقراطي والسلطوي، للقومي والوطني، للعقلاني والشعبوي… هذه تصنيفات «لايت» لا تبعث الحرارة في دم العربي والإيراني والسعودي والسوري واللبناني والعراقي، ولا تحث هؤلاء جميعا على حمل السلاح وخوض حروب الوجود لا الحدود. الذي يوقظ الحمية في الصدور ويدفع بالحطب إلى النار هو الثأر لدم الحسين، ودم عثمان، وعرض عائشة أم المؤمنين، وخلافة علي، ومظلمة الحسن، وتاريخ طويل من العداء بين السنة والشيعة.. تاريخ أنتج فقها طائفيا، وقاموسا للكراهية، وأدبا للحقد، وشعرا للثأر، وديوانا كاملا للفتنة التي نامت قرونا حتى جاء عصر الأنترنت، وما بقي من انحطاط عربي فركب الجميع حافلة التاريخ، ورجعوا إلى الوراء للمشاركة بأثر رجعي في حربي الجمل وصفين، ولعبة التحكيم بين الداهية عمرو بن العاص والفقيه أبي موسى الأشعري.
يقتل السني الشيعي طمعا في الجنة، ويقتل الشيعي السني تقربا إلى أهل البيت وطمعا هو الآخر في الجنة، ولكي يَصب الجميع زيت الفتنة الطائفية على النار المستعرة يخرج كل طرف غريمه من خيمة الدين، ويحول المذهب إلى عقيدة، والاختلاف الفقهي في الفروع إلى خلاف عقدي في الأصول، وإلا كيف يحمل المسلم السلاح في وجه أخيه المسلم.
السعودية تعدم معارضا شيعيا اسمه نمر النمر في بلاد لها محاكم وليس لها قضاء، فيها سيف وليس فيها قانون، تعرف أحكام الشريعة ولا تعرف مقاصد الإسلام، فتغضب طهران لموت معارض شيعي، وتهدد الرياض بدفع الثمن غاليا على إعدام معارض وكأن خامنئي هو مانديلا وإيران هي السويد. لقد قتل الحرس الثوري الإيراني من العراقيين والسوريين أكثر مما أعدم آل سعود من معارضين طيلة 80 سنة من حكمهم. كيف يكون دم النمر الشيعي غاليا في الرياض ودماء السوريين السنة رخيصة في درعة وإدلب وحمص والقلمون… وكيف تحتج إيران على انتهاك حقوق الإنسان في السعودية وهي تمنع مرشح الرئاسة مير حسين موسوي من مغادرة بيته؟
الحرب الطائفية الدائرة اليوم في الشرق وقود لمعركة المغفلين، فلا حكام الخليج وحلفاؤهم من أنصار السنة، ولا حكام إيران وحلفاؤهم من أنصار الشيعة. هؤلاء أصحاب سلطة، وقادة دول، تحركهم المصالح الاقتصادية والصراعات السياسية والحسابات الإقليمية والدولية المعقدة، ولا تحركهم نوازع الإيمان وبركات التقوى، لكن ولأنهم قادة من عصور سابقة، غير قادرين على ممارسة السياسة بأساليب حضارية ومفردات حديثة ومشاريع مدنية وإيديولوجيات معاصرة، ولأنهم عاجزون عن إقناع شعوبهم بمبررات معقولة لحرب بعضهم البعض، يلجؤون إلى خزان الطائفية، وإلى إرث الحروب المذهبية، وإلى ساحة الدين الفسيحة، لأن ساحة الدنيا تضيق بهم، فيرفعون رايات حروب القرون الوسطى التي لم يغادروا أجواءها إلى الآن، يحاربون باسم علي ومعاوية لأنهم عاجزون عن إدارة الحرب بأسمائهم وأطماعهم وحساباتهم ومشاريعهم المفلسة.
إدخال الدين والمذهب والطائفة والعرق واللون والثأر التاريخي… إلى ساحة الصراع السياسي معناه الحتمي هو الانتحار. البشر ومنذ خلقهم الله فوق هذه الأرض وهم يختلفون، ويتقاتلون، ويتفاوضون حول الثروة والسلطة والموقع والتأثير والجاه والمكانة، ولا يتقاتلون على الدين والمذهب والطائفة وتأويل النص. هذه واجهات خادعة وأغلفة براقة هدفها النصب على العقول الساذجة، وما أكثرها قديما وحديثا.
صراع السنة والشيعة فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، وقديما قال الإمام علي: «كن في الفتنة كابن اللبون لا ضرع فيحلب ولا ظهر فيركب».
إقرأ المقال من مصدر موقع اليوم 24
العداء، ولم يروه الأحق بخلافة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، ومن مع «الروافض» الذين رفضوا خلافة أبي بكر لصاحبه قبل 14 قرنا وزيادة.
هذا ليس مشهدا من فيلم تاريخي عن الفتنة الكبرى بين المسلمين بعد وفاة النبي (ص) قبل 14 قرنا.. هذا مشهد من الحاضر، موجود صوتا وصورة وكتابة وخطبا ورصاصا وحروبا وسياسة وإعلاما في العراق وسوريا واليمن والبحرين والسعودية وإيران ولبنان والكويت.
وقريبا سننسى في العالم العربي كل التصنيفات الفكرية والسياسية والقومية الحديثة، فهي بدعة غربية، سنصير إما سنة أو شيعة، إما وهابيين أو اثناعشريين، ولا منطقة وسطى بين المذهب والمذهب، لا مكان في بلاد يعرب للتصنيفات الغربية التي لم تعد تفي بالغرض. لا مكان في الجاهلية العربية المعاصرة لليسار واليمين، للحداثي والمحافظ، للديمقراطي والسلطوي، للقومي والوطني، للعقلاني والشعبوي… هذه تصنيفات «لايت» لا تبعث الحرارة في دم العربي والإيراني والسعودي والسوري واللبناني والعراقي، ولا تحث هؤلاء جميعا على حمل السلاح وخوض حروب الوجود لا الحدود. الذي يوقظ الحمية في الصدور ويدفع بالحطب إلى النار هو الثأر لدم الحسين، ودم عثمان، وعرض عائشة أم المؤمنين، وخلافة علي، ومظلمة الحسن، وتاريخ طويل من العداء بين السنة والشيعة.. تاريخ أنتج فقها طائفيا، وقاموسا للكراهية، وأدبا للحقد، وشعرا للثأر، وديوانا كاملا للفتنة التي نامت قرونا حتى جاء عصر الأنترنت، وما بقي من انحطاط عربي فركب الجميع حافلة التاريخ، ورجعوا إلى الوراء للمشاركة بأثر رجعي في حربي الجمل وصفين، ولعبة التحكيم بين الداهية عمرو بن العاص والفقيه أبي موسى الأشعري.
يقتل السني الشيعي طمعا في الجنة، ويقتل الشيعي السني تقربا إلى أهل البيت وطمعا هو الآخر في الجنة، ولكي يَصب الجميع زيت الفتنة الطائفية على النار المستعرة يخرج كل طرف غريمه من خيمة الدين، ويحول المذهب إلى عقيدة، والاختلاف الفقهي في الفروع إلى خلاف عقدي في الأصول، وإلا كيف يحمل المسلم السلاح في وجه أخيه المسلم.
السعودية تعدم معارضا شيعيا اسمه نمر النمر في بلاد لها محاكم وليس لها قضاء، فيها سيف وليس فيها قانون، تعرف أحكام الشريعة ولا تعرف مقاصد الإسلام، فتغضب طهران لموت معارض شيعي، وتهدد الرياض بدفع الثمن غاليا على إعدام معارض وكأن خامنئي هو مانديلا وإيران هي السويد. لقد قتل الحرس الثوري الإيراني من العراقيين والسوريين أكثر مما أعدم آل سعود من معارضين طيلة 80 سنة من حكمهم. كيف يكون دم النمر الشيعي غاليا في الرياض ودماء السوريين السنة رخيصة في درعة وإدلب وحمص والقلمون… وكيف تحتج إيران على انتهاك حقوق الإنسان في السعودية وهي تمنع مرشح الرئاسة مير حسين موسوي من مغادرة بيته؟
الحرب الطائفية الدائرة اليوم في الشرق وقود لمعركة المغفلين، فلا حكام الخليج وحلفاؤهم من أنصار السنة، ولا حكام إيران وحلفاؤهم من أنصار الشيعة. هؤلاء أصحاب سلطة، وقادة دول، تحركهم المصالح الاقتصادية والصراعات السياسية والحسابات الإقليمية والدولية المعقدة، ولا تحركهم نوازع الإيمان وبركات التقوى، لكن ولأنهم قادة من عصور سابقة، غير قادرين على ممارسة السياسة بأساليب حضارية ومفردات حديثة ومشاريع مدنية وإيديولوجيات معاصرة، ولأنهم عاجزون عن إقناع شعوبهم بمبررات معقولة لحرب بعضهم البعض، يلجؤون إلى خزان الطائفية، وإلى إرث الحروب المذهبية، وإلى ساحة الدين الفسيحة، لأن ساحة الدنيا تضيق بهم، فيرفعون رايات حروب القرون الوسطى التي لم يغادروا أجواءها إلى الآن، يحاربون باسم علي ومعاوية لأنهم عاجزون عن إدارة الحرب بأسمائهم وأطماعهم وحساباتهم ومشاريعهم المفلسة.
إدخال الدين والمذهب والطائفة والعرق واللون والثأر التاريخي… إلى ساحة الصراع السياسي معناه الحتمي هو الانتحار. البشر ومنذ خلقهم الله فوق هذه الأرض وهم يختلفون، ويتقاتلون، ويتفاوضون حول الثروة والسلطة والموقع والتأثير والجاه والمكانة، ولا يتقاتلون على الدين والمذهب والطائفة وتأويل النص. هذه واجهات خادعة وأغلفة براقة هدفها النصب على العقول الساذجة، وما أكثرها قديما وحديثا.
صراع السنة والشيعة فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، وقديما قال الإمام علي: «كن في الفتنة كابن اللبون لا ضرع فيحلب ولا ظهر فيركب».
إقرأ المقال من مصدر موقع اليوم 24



