-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

سعيد يقطين السارد والمحامي - سعيد يقطين

 


أمثِّل أي نص سردي، أيا كان نوعه أو وسيطه، بمرافعة في محكمة الحياة يضطلع بتقديمها محام في حضور قضاة وشهود ورجال قانون ومدع عامتتشكل مادة المرافعة التي يصوغها المحامي مما جمعه من مواد سمعها من المتهم، وبما يريد به إقناع محفل المحكمةليس المتهم هنا سوى السارد (المؤلف)، وليس المحامي سوى الراوي المكلف بتقديم المرافعة، من خلال «الخطاب السردي» الذي ينجزه.

يتيح لنا هذا التمثيل إبراز الفروق الدقيقة بين السارد والراوي ومقاصدهافإذا كان السارد صاحب قضية اجتماعية وثقافية وإبداعية، يريد تقديمها لعالم القراءة، فإنه يعمل على الانطلاق من مادة قابلة للحكي، سواء تجلت من خلال خبر بسيط أو قصة مركبة من مجموعة من الأحداث المتقاطعة، أو كانت تلك المادة من صميم الواقع الذي عاينه، أو سمعه، أو قرأ عنه، أو تخيلها في ضوء ما يحيط به من سرود يزخر بها الواقع أو التاريخ، أو حتى الأحلام التي تتراءى له في المنام.
ليست كل العوالم التي يقدمها لنا السارد (المؤلففي تجربته السردية جزءا من حياته الشخصية، وإن كان ذاك الجزء مهما في أحيان كثيرةإنها جميعا حصيلة إدراكاته لما يمور به العالم، الذي يعيش فيهلذلك فهو «ينيب» عنه صوتا سرديا (الراوييضطلع بالقيام بجعل تلك المادة قابلة للسرد، من خلال الخطاب، موظفا في ذلك عدة تقنيت تجعل القارئ مطمئنا إلى أن هذا الصوت يمكنه أن يتواجد في عدة أماكن، ويطلع على أسرار الشخصيات، ويعلم كل شيء عن القصة التي يرويهاألا ترى أن صيغ الأداء السردية العربية تبتدئ عادة بـيحكى، زعموا، قيل، ومما يروى، قال الراوي، دالة على أن «الصوت» (الراويالذي يحكي لنا غير «الصوت» الذي عاش التجربة، أو ابتدعها (السارد). نجد كل النكت المغربية تبتدئ بصيغة الأداء: « قال لكهذا واحد…» فماذا تعني «قال» هنا؟ إن من يبدأ النكتة بهذه الصيغة راو من درجة ثالثةإنه المتلقي الذي سمع النكتة من غيره، ونقلها عن «راو» لا يعرف عنه شيئا، وهذا الراوي كان الصوت الذي ابتدعه السارد المجهول.. إن الراوي ليس مسؤولا عن المادة التي يرويها، لأنه لا يمكن أن يتماهى معها، أو يتبناها لأنه ليس من ابتدعها.

خارج المحكمة يتم تداول وقائع ما جرى فيها، ونوعية خطاب الراوي أو الرواة، وموقف السارد، وتتعدد تفسيرات وتأويلات القصة، حسب رغبات المتلقين الواقعيين (السامع، أو القارئ، أو المشاهد).

ولهذا كانت حكمة «الرواية» (صنعة الراويعربيا تقضي بأن «راوي الكفر ليس بكافر». إنه فقط وسيط لذات مبدعة، لم تكن تكشف عن نفسها أو لم تكن لها هوية معترف بها في السرد الشفاهيأما في السرد الكتابي الذي نعرف اسم مبدعه (الكاتبفهو يعين راويا، سواء أعطاه اسما أو تركه نكرة ليقدم لنا تجربته من خلاله.
اتخذ مصطلح الراوي بعدا دقيقا مع السرديات، وكان بذلك من أهم منجزاتهاوفي الوقت نفسه قدمت لنا «المروي له» تمييزا له عن القارئ، وهي بذلك تجعلهما مختلفين عن المؤلف والمتلقي، عكس ما كانت عليه الأمور قبل ظهورها،سمى وين بوث هذا الراوي «الذات الثانية للكاتب». أسمي هذه الذات الثانية بـ»الذات المتخيِّلة» (الراوي)، تمييزا لها عن الذات المبدعة (السارد). تتوجه الذات المتخيلة التي اصطنعها السارد لتقديم مادته الحكائية، إلى «ذات المتلقي المتخيِّلة» (المروي له). وهما معا تنتميان إلى دائرة الخيال السردي الإنساني، الذي يتعالى على أي لغة أو وسيط.
لنعد إلى قاعة المحكمة الافتراضية، السارد متهم بإبداع قصةيقدمها مادة خاما للمحامي (الراويالذي يصوغها وفق قواعد الخطاب الذي يراعي الشروط والمقتضيات المقبولة لدى المحكمة (الخطاب السردي)، ويرافع بحضور ذوات متلقيةقد يغير المتهم محاميه حسب قدرتهم على إيصال مراده، أو يجعلهم متعددين إذا اقتضت الضرورةويكون الحكمقبول الخطاب أو تأجيل البت فيه.
خارج المحكمة يتم تداول وقائع ما جرى فيها، ونوعية خطاب الراوي أو الرواة، وموقف السارد، وتتعدد تفسيرات وتأويلات القصة، حسب رغبات المتلقين الواقعيين (السامع، أو القارئ، أو المشاهد). قد يرى أحدهم أن المحامي ارتبط بالسرد النصي، فماذا عن الصوري الحركي؟ إنه هنا الوسيط الذي نوظفه لذلك، ومن ورائه حامل الكاميرا ومسجل الصوتتغير الوسيط، ولم تتغير الوظيفةوالهدف هو نقل التجربة بالصيغة «المقبولة» سرديا، وفق القواعد السردية الإنسانية.
ما جدوى هذا التمثيل الافتراضي؟ إنه تعبير عن الذهن السردي الإنساني الذي ينقلنا من الفضاء المغلق (المحكمة مثلا)، ومن الغياب إلى الحضور (نسرد الآن، ما جرى في ما مضىلتحقيق رغبة الفضول الإنساني في التعرف على تجارب الآخرين وخبراتهمألا ترى أن كل متلق يتحول إلى راو، يوسع دائرة ما تلقاه من سرود، ولكنه يقدمها بطريقته الخاصة التي تؤكد خصوصية سردية الخطاب الذي يرويإن من يبعث لنا صورة، أو فيديو عن طريق الوسائط الجديدة، راو من درجة ثالثة، وحين نتلقاها، نكون أمام إعادة بعثها إلى أحد الأصدقاء، أو حذفها باعتبارنا رواة، ولسنا مبدعين.
السرد تعبير عن قلق الذهن الإنساني في مواجهة عنف المحكمة البشرية.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا