-->
مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة - 8 أكتوبر 2008


الآراء والأفكار الواردة في المقالات والأخبار تعبر عن رأي أصحابها وليس إدارة الموقع
recent

كولوار المجلة

recent
recent
جاري التحميل ...

مفهوم المرجعية المسرحية بين الغرب والعرب : إنجاز: د. الغزيوي بوعلي


إذا كان أغلب النقاد يعتقدون أن الاتجاه الطليعي هو نوع من الابتعاد عن اليومي، فإن التفكير في الواقع، سيعني بالنسبة إليهم الابتعاد بدرجة أكبر، وتثوير الذات من الداخل من حيث هو انجاز للحياة أو التواجد عند ضفافها، فالتفكير في البعد الطلیعی لن يعني أكثر من الثورة والتمرد ضد الأدب، والواقع، والمعرفة، والحضارة، والتفلسف ضد العقل دون أن يكون علما(1)، وليست هناك قاعدة من قواعد الخطاب الطلیعی، حيث تتعارض مع إمكانية إعطاء تعت "الطليعة" لما ينتجه المفكرون، والروائيون، والمسرحيون، والنقاد. إن تمرير هذه التسمية لا يمكن أن تكون إلا الرغبة في التعبير عن روح العصر والتطلع إلى المعرفة التي ينتجها الإنسان الطليعي. لكن المقصود هنا ليس إذابة التنوع والاختلاف وإلغاء الإقصاء، حيث يتجه هذا المحور الطليعي إلي تفجير المفارقة: كيف يمكن لنمطين مختلفين من إنتاج فكر مسرح ونقد بشكل عميق ومختلف؟ وماذا أضاف هذا الاتجاه إلى المسرح الغربي؟ هل حافظ على نفسها العائلة اليونانية؟ وما موقفه من اللوغوس الغربي؟

تلك النماذج التي يمكن اعتبارها بنيات مجردة لا تبتعد عن المعيش الواقعي، حيث تسمح بإجراءات محاكماتية وفق قواعد مضبوطة، لأن علوم الإنسان والثقافة والنقد والمسرح تتموقع في مستوى أعلى من الأشياء الموروثة، ذلك أن القصد المختفي في كل قراءة ليس هو تنظيم الوقائع، وإنما تنظيم الدلالات الإيحائية والرمزية والأسطورية والنفسية، لأن المبدع والناقد والمسرحي والروائي يخلق أثرا مغايرا ليضفيه على الفعل الإنساني. وهذا الاعتراف بدوره اختراق في التهييء الفكري والمسرحي، والواقعي، لأن مرتبط بنوعية هذا الانتقال نفسه، فكلما تحول المجتمع نحو ثقافة مغايرة لا تحترم الإنسان ولا تحتفظ بلغته، وأحس بالغربة والبعد عن ذاته، واختلت العلاقة بالعالم، وهذا يساير بعض أعمال "بيكت" و"يوجين بونيسكو" و"أداموف" الذين وقفوا موقفا عدائيا من الواقع والإنسان والعالم، حيث ظهروا بأسهم من الأدب، ومن الروح النقدية، لأن روح العصر يصطدم بمقاومة الوعي الزائف بمفهوم "لوكاتش"، مما جعلهم يتأثرون بكل المواقف التي شیدها "بيرانديللو و"تشيخوف" و"كافكا"، فهؤلاء قد صوروا الإنسان وهو يرزح تحت طائفة من الأوهام يظنها حقيقة، وأن تلك الشخصيات الموظفة تعاني الأزمة الذاتية والغربة والغثیان، لأنها تحد من حريتنا حسب الوجوديون، يقول عبد القادر المذنب: "إن الوهم هو ما يحول بيننا وبين محاولة المعرفة، ومن الواضح أن "الوهم" حالة من حالات الاغتراب التي تعوق واحد من أهم أبعاد الإنسان كذات عاقلة لا تكتفي بالمعرفة، وإنما تعيد النظر فيما نعرفه . . ."(2)، فهذه الدعوة إلى عملية التجريح جعلت هذه العملية لا تتم إلا عبر مساءلة الواقع، وهذه المساءلة ليست بداهة أو وهما كما قلنا، بل عبارة عن قراءة تأويلية تتيح للباحث أفقا جديدا للكشف عن ماهية الواقع الممكن، وأن تقربنا إلى ما هو منفي في السابق، فالقراءة السطحية لا تستطيع أن تقدم لنا ما يقوله النص، أو ما لا يريد قوله بقدر ما يجعلنا ندرك هذا التمزق، حيث ينبثق العالم وقدراته، ويختفي هذا التشويه في الوقت ذاته. من هنا كانت الثورة الطليعية إرثا طفوليا أمام المرايا، تجعل الذات المبدعة تصل إلى آلام الجماهير وإلى الجذور، وإلى الفلاح الساذج حسب تعبير "تولستوي". إذن فالمسرح الطليعي يقدم لنا منظومة أخلاقية جديدة مؤطرة لنموذج من علاقات إنسانية أكثر تحررا وانفتاحا، لكن لا تتشخص سوى عبر مظاهر تجنيس الجسد للوصول إلى علاقة تتم بالبراءة المطلقة. وهذا يتطلب أن ينخرط المبدع في وحل الواقع وجلابيب التاريخ، وأن يبحث في هذه الشقوق عن الرغبات الممكنة. ويقول جاك دريدا: "إن المسرح، هذا الفن المستقل القائم بذاته، إذا ما أراد أن ينبعث أو ببساطة أن يعيش، فهو عليه أن يؤكد بوضوح على المسافة التي تفصله عن النص وعن الكلام وعن الأدب، وعن جميع الوسائل الأخرى المكتوبة والمثبتة، يمكن تماما أن تواصل تصور مسرح مؤس س على هيمنة أكثر فأكثر لفظية مهوم ومضجر تخضع له جمالية المشهد بكاملها، إلا أن هذا التصور الذي يتم في إجلاس عدد من الأشخاص على کراسي وأرائك مصفوفة بانتظام، وجعلهم يسردون، تقول إن التصور ومهما كان جمال هذه الحكايات، ربما لن يتمثل النقيض المطلق للمسرح ... وإنما فساده"(3). فدريدا طرح قضية النص، مع خلق مسافة بينه وبين الكلام، لأن هذه الثنائية أمست سائدة في مجال المسرح الغربي الكلاسيكي، ولكنها ستكون المحور الأساسي الذي يعرف كإرسالية أدبية(4)، فهذا العهد الكلاسيكي يرى أن هذا البعد النصي ظل هو المسيطر، وأن المخرج لا يعتمد إلا على ترجمته وتفسيره تفسيرا أمنيا"(5). ولعل هذا الاثر يخلق تقليدا وتقيدا بالنص، حيث يعمد المخرج إلى التمسك بكل العناصر المبثوثة من طرف المؤلف في النص هذه الحصانة التأليفية تعيق مهمة الإبداع والبحث المنوط بالمخرج المسرحي، لأن هذا الوضع يدعو إلى المساءلة وإلى البحث وإلى التخريج حول كيفية انتقال من بعد فني أدبي إلى مسرحي فرجوي، يقول تیروف Tairov، "إننا لا نعتقد أبدا في أن مهمتنا تنحصر في تفسير العمل الأدبي وتأويله، كما أن مهمتنا لا تقتصر فقط في اللعب، هذا اللعب فوق الخشبة إن الأمر إذن على العكس من ذلك، فعندما ندرس عملا أدبيا ما فإننا نكون بلا شك أحرارا في عملية تأويل النص وتحويله إلى العرض، إنه لدينا الفرصة ما يكفي لنستنتج منه كل ما هو أساسي وجوهري قصد بناء مسرح جاد"(6).

فهذه الوضعية النصية هي وضعية غير مطمئنة، لا من حيث مصداقيتها المعرفية، ولا من حيث مردوديتها الفرجوية، فالوضعية إذن تشكو من نواقص وقصور عديدة تترجمها بشكل أساسي معالم التمرد ضد النص، والغموض في المفهوم والمدلول، وملامح الضعف في الإبداع وفي كل مظاهر الإخفاق في المسار الإبداعي المسرحي والنقدي. والملاحظ أن النص المسرحي لم يعد يشكل محور صراعات نظرية بين فئات من الباحثين، فالانتقادات التي وجهها "أرطو" و"بكيت" و"سالاكرو" و"أداموف "و"يوليسكو" كلها وضعيات تنعت بالوضعية المتأزمة نظرا لمواطن الضعف ومظاهر الإخفاق الذي أصاب هذا العصر الذي نعيش فيه، لأنه عصر مادي، أصبح فيه كل شيء يقاس بالمادة. يقول "الايرش": "ولعل كثيرا من زملائي ممن أفنوا حياتهم كما قضيت أنا شخصيا جزءا هاما في الدفاع عن الملكية الاجتماعية والعامة، يشعرون الآن بالإحباط الشامل، لرؤية كل آمالهم وأحلامهم تتساقط أمامهم يوميا مثل شظايا زجاج محطم يمشون عليه، بعد أن اكتشفوا متأخرين جدا أن الإنسان القديم مازال هو نفسه سائدا وأن إنسانهم الجديد الذين حاولوا بناءه طوال ثلاثة أرباع قرن لم يولد بعد"(7) وهذا لا يعنى إلغاء الإنسان من المجتمع، بل تدميجه في البعد الاقتصادي وإعادة تشكيل وظائفه النفسية والاجتماعية، مع تعميق بعده الإنساني بكل جوائبه، لذلك فإن دراسة الإنسان ليست مهمة، وليست وليدة هذا العصر الطليعي، بل ساد منذ ولادة الإنسان في هذا الكون، وهذه الولادة هزت تفكيره وغيرت طريقة أدائه ومحتوى رؤيته، وجذريته في الواقع قصد الكشف عن الخطإ والصواب، والحقيقة والوهم، لذا يرى "إدغارموران" أن اكتشاف الخطإ هو طريق الصواب وأن "المعركة من أجل الحقيقة هي أولا المعركة ضد الخطإ(8).

لاشك أن معرفة الحقيقة لا تستخلص من الجزء، بل من خلال النظام العام القائم على الشمولية واعتماد لغة الكل في كل نقد، لأن الوعي المسلح بالمعرفة النظرية والتطبيقية لا يسمح بتلقي الأشياء بداهة، بل يدعو إلى التعبئة الفعالة التي يتوفر عليها الباحث، وكذا إحضار التاريخ كقدر جديد يلغي الخضوع والانصياع، ويجعل الفعل الإبداعي المسرحي الطليعی يستولى على مضمونه، مما يجعله يعادي الائتلاف، ويزرع الاختلاف ويشايع التعدد بدل الوحدة وينتصر للإخراج بدل المعيار، واختيار الحداثة المسرحية لإبراز شرعية النص الذي ينتظم داخل السياق التراثي، مع إبعاد كل تصالح فني أو ذاتي. فليس من السهل بناء تصور جديد لهذه المرحلة في ضوء شيوع الإنجاز والتأسيس داخل السياق السياسي والثقافي والإبداعي، يضاف إلى ذلك تكملة رؤية جديدة تستجيب لروح التواصل والحضور، الأمر الذي يفسر الميل الشديد إلى هذا التلاحم بين الممثل والجمهور، لأن النص حسب "غروتوفسكي" يساهم في بلورة هذه الدينامية الداخلية، وذلك بتحويل النص إلى تحد وسيط يبلغ من خلاله كل من المخرج والمثل، وبعدهما المتفرجين إلى هذه المواجهة مع الذات والمواجهة مع الآخر، إن القراءة المسرحية هي التي تصغي إلى ما يقدمه النص في ثناياه وفي تضاعيفه دون أي إقحامات أو تعسفات أو انتزاعات منه، والإصغاء هنا إتقان لفك الألغاز والتعابير الملغومة، وإعادة بنائها للقبض على الخفي والكامن الذي لا يكف النص عن الإيماء إليه دون الإعلان عنه، يقول غروتوفسکی: "إن جوهر الأعمال الكبرى والخالدة يكمن في قوة عظمتها وجمالها، تشبه تلك الوسائط التي تفتح أبوابا أمام المخرج والممثل، وتحرك الوعي الذاتي لديهما، إن انخراطي في جسد النص يشبه انخراطي في جسد الممثل والتلذذ به، ويعتبر نص الكاتب بالنسبة للمخرج وللمثل بمثابة مبضع يشق لنا طريق الانفتاح على الآخر وتجاوز الذات ..."(9).

هكذا يمكن اعتبار أن هذا التمرد ضد المؤلف والنص والكلام حسب دریدا جعلنا ندرك أن الإخراج والمخرج وليد مرحلة تاريخية، ضمن الأنواع المعرفية الأخرى، وليس بوجود عمل فني أو أدبي آخر يتسلق إليه ويظهر على الأفق، بل هو ممارسة أصيلة؛ فعلاقته بالعمل المسرحي ليس مجرد علاقة بسيطة، بل هي بمثابة وعي نقدي يحاور الرؤية الواقعية عن طريق التمسرح، قصد تلمس الخلفيات الاجتماعية والمنهجية، تستطيع أن نفسرها بطبيعة المرحلة التي مرت بها الثقافة الراهنة في الغرب.

فتتبع النقد المسرحي ليس فقط إلا محاولة ربط هذا النقد بالواقع وبالإنسان، والتاريخ الذي يعكسه، ويفسر مدى تطور هذه الحركة في الزمکان، لأن قضية المسرح أخذت الطابع الضدي، لأنه ليس الوحيد الذي يمكن أن يکشف عن تعبير هموم الإنسانية من خلال دراسة واقعها ومواقعها ومواقفها، فهو وليدا مفارقة اجتماعية وسياسية، بالإضافة إلي كونه نقذا للمؤسسة. فالملاحظ أن أغلب المبدعين والمسرحيين والنقاد والروائيين كانوا ينطرون إلى هذه الزاوية من خلال المغايرة المنهجية التي تحاول أن تلمس ما يسمى اللامعقول، لزحزحة ميتافيزيقيا الحضور الغربي، وهذه الفلسفة جعلت الطليعيون يتجهون إلى دراسة مسار الفكر ذاته، والسعي كذلك إلي الكشف عن القواعد التي تتحكم فيه وتضبط حركاته وانعطافاته، والبحث عن الجذور الأولى للفكر الطليعي، ويمكن تلمس البذور الأولي له لدي "بكيت" و"يونيسكو"، فقد اتجه "أرطو" بدوره لدراسة المسرح الواقعي بكل أحكامه وتحديداته، حيث مكنه من وضع منهج رهن السؤال، وهي طريقة من التاريخ تقوم بعرض الوقائع التي هي الأفكار والمذاهب والاتجاهات للعملية المسرحية، دون أن يضع سؤالا على صلاحية الكیفية التي يتبعها للقيام بهذا التاريخ، فأرطو" في تناوله لهذه القضايا المسرحية أبعد البحث عن الأسس المحركة للفكر من طور الجمع والتلفيق إلى تاريخ فهم المعطيات العامة للفكر، على اعتبار أن الفكر والثقافة والبحث المسرحي عن أسسه أكثر من غيره في حاجة إلى عامل الفهم والإفهام، فليس المهم آن نثبت أو نفي التاريخ المسرحي الغربي، بل المهم هو فهم المنطق الداخلي لهذا المسرح أو ذاك النقد والإخراج في إطار الشروط التاريخية والبنية الاجتماعية التي أنتجته.

هذه الخطوة الكبرى التي دشنها "أرطو" و"بيكيت"، حيث غيرا مجري التاريخ المسرحي، وفتحا قارة جديدة على حد تعبير "لويس ألتوسير" للتفكير في الإنسان والفكر ... وأعلنا عن بداية نمط جديد من البحث، ينحي جانبا كل أنماط الدراسات الساذجة. والمسرح الكلاسيكي الذي طل يسيطر على البحث الأدبي والمعرفي، فتح هذه الخطوة الحاسمة للأبحاث في مختلف المجالات للفحص والتنقيب، وأباح سواء للمتمذهبين به أو لخصومه شروط إمكانية حديث مسرحي يحاول ضبط مناهجه ومفاهيمه، وكذا رصد بنياته الثقافية والمعرفية كما فعل "أرطو"، ويقول في هذا الصدد: "ثمة أناس يرتادون المسرح تماما، مثلما يرتادون المواخير، ورب قائل يقول بوجود نوعين من المسرح في الوقت الحاضر، مسرح زائف هش بجانب الحقيقة، يرتاده البورجوازيون وأصحاب العقارات والمخازن وتجار الخمور ومعلموا الرسوم المائية والمغامرون والساقطات والفائزون بجائزة روما، مسرح تقام عروضه في ساشا كيتري في البوليفار والكوميدي فرنسيه، ومسرح آخر يسعى إلى الاستضلال بسقف حيثما أمكنه ذلك، فهو يعد إنجازا لأطهر ما يطمح إليه الإنسان"(10).

و"أرطو" قد اتخذ هذا العمل الذي أراده أن يكون متعدد الوجهات والأبعاد تحت ما أسماه "بمسرح القسوة" وهو المفهوم الذي ارتضاه لمشروعة الطويل حول دراسة البنيات الفكرية التي تقوم عليها الأشكال المسرحية والأنماط المعرفية التي حكمت لمدة قرون الثقافة الغربية، وقد استعار لمنهجه لغة ثورية معتبرا منهجا يكسيها دلالة تتفق وسياق المسرح الطليعي، ويقول "مارتن إسلن": "كانت إحدى التجارب التي مرت في حياة "آرتو" حافزا له لتحديد القدرة الكامنة في اللغة، وقطع التقليدية للتعبير الأدبي، وذلك بفسح المجال للاشعور أن يتحدث مباشرة وبلا تدخل من الإرادة والعقلانية، ومعرفة النحو وقواعد التألق في الصيغ الأدبية، حيث أمل في توسيع قدرة تلك اللغة وتمكينها من توصيل الحركة الفعلية باتجاه العاطفة، ورفع درجة مخزونات الخيال الإنساني(11).

وهذه الأرضية التي ظهر فيها الإنسان واللغة ضد الواقع والزمكان، جعلنا تدرك أن تاريخ التفكير الطليعي أحدث ثورة من الداخل، فأفزع الإنسانية من مطالب الحياة المادية ومستلزمات الصراع الطبيعي، ولكن من المؤكد أن "أرطو" قد مهد لهذه الثورة بحكمة إنسانية يكونها الإنسان لنفسه عن العالم، أي لأن التفكير المسرحي هو وعي لم يتحدد موضوعه في الماضی، اهتمام مشترك يجمع بين كل المسرحيين، ألا وهو البحث عن الحقائق الخفية التي عاش ويعيش عليها الإنسان في حياته وفي عالمه، المسرح ونقد للسائد، وتساؤل يحاور فينا أنفسنا، ويتجادل مع العالم والإنسان. فالمشكلة الأساسية التي يثيرها "أرطو" في كتابه: "المسرح وقرينه" هي مشكلة الإخراج، واللغة، والقسوة، والممثل . . . ويكتسب البراعة الفنية والفرجوية، لذا يتخذ التفكير المبني على الأفكار المتميزة والمغروسة، نمطا لا شعوريا جديدا ليبني أنظمة إيروسية تكون أكثر عمقا وقرارا، وتسعى لإقامة حوار مع الفكر والتاريخ والأسطورة، انطلاقا من موقف يرید تجاوز حديث المسرح التاريخي، وتاريخ المسرح، وموقف جدلي تاريخي يقيم رؤية بنيوية يسعي من خلالها إبراز العلاقات المتشابكة والمتلاحمة بين مختلف الاتجاهات والعصور، وكذا إبراز القواعد التي يرتكز عليها هذا العصر في تقاطعاته وارتباطاته داخل مجال إبستیمی يغيب فيه الزمن والتاريخ، وتؤسسه الصورة والماهية بمفهوم "هيدجر"، إذ لم يعد العثور على مركز إنساني الذي حدده له التراث الإنساني، حيث أزيل من طرف "فروید" و"مارکس" و"نیتشه". ويقول "كاثرین بيلسي" في هذا المقام: "فباستغناء فرويد عن الكوجيطو الفلسفي، أنا أفكر إذن آنا موجود، الذي يعني أن الوعي ضامن الهوية، وضع فروید موضع السؤال ضمن الوهم الذي يجعل الإنسان الحديث واثقا من نفسه ثقة عمياء حتى في شبهاته عن نفسه، حتى في عدم الثقة التي تعلم ممارسته، ضد فخاخ حب الذات"(12) وهذا التأثير الذي مارسه فرويد على كتاب الطليعة، جعل "أرطو" يتطابق إلى حد كبير مع وجهة نظره في أن الانحراف في الحضارة الغربية كانت نتيجة قمع كثير من حياة الإنسان الغريزية واللاشعورية المتدفقة. إن قدرا كبيرا من الإيديولوجية السريالية كان مبنيا على الأفكار الفرويدية الذي بين كيف أن اللغة في الحلم تتحول إلى صور يمكن قراءتها كما تقرأ الكتابة المصورة، كالهيروغليفية. وعلى هذا الأساس ألح "أرطو" في مسعاه لإعادة تنشيط العقل اللاواعي، واللجوء إليه مباشرة على العودة إلي التواصل عبر هذا المستوى، إذ ليست القضية هي كبح جماح المتكلم، بل منح لهذه الذات التكلم داخل الأحلام، وهذه التعابير الحرة وغير المسيجة تساير الاتجاه الديونيزي الذي يمثل الغريزة والجسد، والاتجاه الأبولوني ما يمثل القانون والعقل والعلة، فالمسرح إذن هو الذي يمنح لهذا الجسد أهميته التعبيرية، لأن فكرة "أرطو عن مسرح ميتافيزيقي تنبع بشكل متناقض ظاهريا من قناعته بأن التفكير المجرد والمنطقي، هو الذي يفصل الإنسان عن المنابع الخفية والغامضة لوجوده، ويحصره في عالم دنيوي ضيق، ومن أجل إعادة تأسيس الاتصال بالأساس الميتافيزيقي الحقيقي للوجود الإنساني، فإن الجسد هو الذي يجب إيقاظه وإعادة تنشيطه بكلمات مريحة من أجل الوصول إلى منطقة ميتافيزيقية"(13) إن إبراز القوى الغامضة التي تحكم الكون عبر تحركاتها الغريبة وعناصرها الكهنوتية، والموسيقى الإيقاعية الإعجازية التي تراقب رقصاتها وحضور القدرة الوجودية في صرخاتها الرمزية والأسطورية، هو الذي جعل من اكتشاف "أرطو" للراقصين البالينزيين حدثا حاسما في حياته وفي عالمه، وساعده على إدراك الطبيعة الحقيقية للمسرح، للمسرح الغربي الذي يعتمد الكلام، يقول جاك دريدا: "وعندما يستحضر فرويد فيما يتحدث عن الحلم كلا من النحت والرسم أو الرسام البدائي الذي كان، كمثل رسام الرسوم المتحركة اليوم إلى حد ما، يجعل يافطات تتدلى من أفواه الشخصيات حاملة في كتابات الخطاب الذي كان الرسام يائسا من القدرة على إخراجه في اللوحة . . . إننا نتلقى محتوى الحلم ك كتابة صورية تشخيصية"(14).

يرى "أرطو" أن المسرح إذا استخدم في تشكيل الرؤية بأحسن، فإنه سيكون له القدرة على التأثير على طبيعة وتطور الوجود والأشياء. لكن كيف يتم التأثير على الوجود والواقع؟ فالاستراتيجية المتبعة ترتكز على استعمال الكلام بشكل ملموس وفضائي. لم تعد نعبر عن الفكر بالكلمات فحسب، وإنما بلغة الحركات أيضا، وبهذا المعنى يمكن القول إنه يقترب من عالم "فرويد"، حيث يظهر ذلك من خلال وصفه للعب، والكتابة في حضرة القسوة، بمفاهيم يشهدها من نصوص فرويد(15)، ورغم هذا الحضور القوي للتحليل النفسي الفرويدي، فإنه كان أكثر حرصا على خلق مسافة بينه وبين المحلل النفساني كمنظر ومؤول، يقول في هذا الصدد: "هذا يعني أن المحلل النفساني بمكانه والمقام الذي يحتله، يظل ينتمي إلى المسرح الكلاسيكي إلى شكل اجتماعيته وميتافيزيقيته وديانته . . . إلخ(16). وانطلاقا من هذه المنظومة الفكرية التي تقيم حوارا بشكل يحافظ على ضرورة البحث من أجل تعديل المقاربة ليكون مسرح القسوة مسرحا للاوعي وانفتاح البصيرة بشكل واع، لأن القسوة هي حلم يحضر في حالة الوعي، وهذا الوعي يحيا تماما من قبل أنه قتل الأب في حالة وعي، »ويقول "جاك ديريدا": "إن أصل المسرح مثلما يتعين أن يعاد تأسيسه هو يد مرفوعة ضد حامل "اللوغوس" المعتمد ضد الأب، ضد إله المسرح خارج سلطة الكلام والنص(17)، ويقول أيضا في رسالة أولى حول القسوة: "إن الوعي هو الذي يمنح لممارسة كل فعل حياتي لوله الدموي وملمحه القاسی مادام بديهيا أن الحياة هي دائما موت أحد"(18).

إن "أرطو" في هذا السياق يغاير تصور "فرويد" للحلم، ذلك أن "سیغموند فرويد" يعتبر أن القواعد الإبداعية بالنسبة للحلم لها ارتباط بعتمات اللاشعور، وهنا يصبح الحلم عنده بمثابة تحقيق تعويضي للرغبة وتوظيفة إنابية، ولكن "لاكان" يرفض هذا التصور الذي ينبني على الشبه البيولوجية في الغرائز، حيث يلح على أن الذات المبدعة مبنية في النظام الرمزي، والذات تتكلم ولكن تكلمها يخضع وفق شروط اللغة في إنتاج المعنى، فالذات تتكلم، ولكن هذا الكلام يخضع للرمز، فهو الذي يجعله كلام. لذا فاللاشعور هو بمثابة مستودع للغرائز البيولوجية، بل هو لحظة يخلق في لحظة الولوج إلى النظام الرمزي، ويقول كاترین بيلسي: "إن اللاشعور قائم على عناصر ممنوعة من الوصول إلى النظام الرمزي، فإن اللاشعور مبني على بناء اللغة، ويظهر خطابه الاستعاري والكنائي على السواء في الأحلام والنكات وزلات اللسان، وعند تهديد استقلال الذات الواضح أو نسق الثبات الخارجي لمواقع الذات المتيسرة في النظام الرمزي، والرغبة التي هي تجربة نقص ما، هي الأثر الناشئ في الذات عن الظرف الذي يفرضه الانقسام بين الشعور واللاشعور..."(19). "فأرطو" يبتعد عن الفهم الإنساني والنفساني للمسرح ليستعيد الفهم الديني الصوفي الذي فقد المسرح الغربي معناه كليا، والذي يعمل على الكشف والإظهار عن الحياة في سيلانها الأول، فالمسرح إذن له وظيفة نفسية وأخلاقية من الدرجة الثانية. "وأن الأحلام ليست سوى وظيفة استبدالية، ولكن أكثر حرية وتوكيدية من مجرد فاعلية استبدالية، لأن ليس هناك مؤلف ومخرج، وممثل وجمهور، بل "عيد واحتفال - الكل مشارك إن جميع الحدود والمفاصيل والثنائيات التي كانت تخترق المسرح الكلاسيكي الممثل – الممثل، المدلول/ الدال - المؤلف /المخرج – الممثلون- المتفرجون - المشهد / القاعة -النص / التأويل. إنها كانت ممنوعات أخلاقية ميتافيزيقية ... يرفض كل الحواجز والموانع التي لم تعمل طوال حياتها إلا على تأخير الحضور المسرحي"(20). وهذه العودة إلى الأصل أي الذات الأصلية، تسمح للوجود الذي عبره يمكن لتعدد واللانهائي لأشكال الحياة وقواها أن يمتزج وينفصل داخل الكلمة دون انتهاء. بهذا المعنى، فالقسوة هي الغياب لكل أصل میتافيزيقي. وهي التأكيد الممكن ضد الفكرة المسيحية للأصل، هذه الفكرة التي تقوم على عقلية البداية، لأن الأصل عند "أرطو" وغيره من الاختلافيين هو مبدوء فيه.

إن هذا الاتجاه يعمل على تعزيز اللاتواصل من داخل العملية الإبداعية، وفي إطار الممارسة الدرامية والتخيلية والسردية والكرنفالية، فهو ما ينعت اليوم بالمسرح العبثي، وهو اتجاه لا يقصد تعليم معارف وتصورات حول الذات المبدعة، بقدر ما يرمي إلى تأسيس قيم جديدة على أنقاض الماضي.

فليس المسرح تربية معرفية، بل هو ممارسة اجتماعية وتمردية، فاهتمام هذا المسرح بالجائب الضدي لا يعد قصدا نهائيا من هذه الممارسة، فهو يتجه بالأساس إلى الواقع، وإذا ما تعين أحيانا أن هناك اهتماما بالمحتوى المعرفي والدلالي والنفسي، فإن مثل هذا الاهتمام لا يتجاوز كونه مدخلا أساسيا للمرور إلى قناعات المبدع وتصوراته فلا تكتفي هذه الممارسة الإبداعية والدرامية بحشد الذهن بالمعلومات حول الثقافة والقانون والتاريخ، بل إنها تقوم أيضا على أساس أن يمارس المبدع تلك الحقوق، وأن يؤمن بالبحث العبثي، وأن يعترف بكل المبادئ التي لا قيمة لها إن هذه الرؤية ليست معرفة للتلقين، بل التجسيد التاريخي الذي يعتمد المسرح والإبداع عامة جعل من الشعور الإنساني، الذات الأصلية لكل حدث وكل ممارسة، لكن هذا التوجه الجديد سيكون من شأنه أن يؤسس تحولا نقديا لبعض المفاهيم المعرفية، وبالخصوص اللغة – المفهوم - الشخصية - المكان - الزمن - التاريخ. فهذه المفاهیم لا تكمن أهميتها في أنها تقرأ بشكل خاطئ، بل لكونها تفتح الطريق أمام بعض النماذج المغایرة والتي لا تعتمد التعتيم الأخلاقي والسياسي، لأن الواقع ليس مجرد فسحة للعب تقوم به استراتيجيات متخيلة، بل إرث جديد يبني المواقف المتفرقة من المتلقي، والإعراض والهجوم والمصالحة، ويوزع الاختيار التواصلي عن طريق الصمت والسخرية والنقد. بهذا الموقف يتخذ الإبداع المسرحي مقاربة إيحائية مؤقتة قابلة للتعديل والتطوير، لأن الوصول إلى أعماق هذا الاتجاه لابد من استفادته من العلوم الإنسانية واللغوية، وخلق تعارض بين المواضيع السائدة التي لا تنتهي إلى قرار نهائي، ولا تتأسس على خطاب يقيني. ويقول "بول ريكور": كل خطاب مثبت بواسطة الكتابة، إن التثبيت بالكتابة هو مكون للنص نفسه، وإن كل كتابة كانت أولا - على الأقل على مستوى إمكاني - كلاما، وإن الكتابة باعتبارها مؤسسة تتلو الكلام التي تبدو فيه موجهة لتثبيت - من خلال كتابة خطية كل التمفصلات التي ظهرت في الشفوية(21). فالنظر في تطور هذه المرحلة تفتضي منا التردد والقلق إصدار أي حكم قد يفضي إلى خطأ، لأن القراءة لهذه المرحلة العبثية تبقى مشكلة جوهرية لا تقل عن صعوبة سابقتها. فقد أمدنا "بكيت" و"یونسكو" و"سالأكرو" و"أداموف"... في خطهم الفكري العام أعمالا تنحو نحو التحديد النظري لمذهبهم ومنهجهم، لأن الإشكالية برمتها إنما تتمثل في الكيفية التي نقيم بها مسرحا جديدا دون أن نسقط في المتعارضات الماركسية أو الوجودية، ودون أن نسقط في فلسفة العبث. إذن لابد من التوجه أولا إلى تاريخ المسرح لمعرفة حقائقه، ولاختبار مناهجه، يقول "زكي نجيب محمود: "لست أعرف للحياة معني إلا أنها قدرة الكائن الحي على الخلق والإبداع ... الإنسان حي بقدر ما هو مبدع خلاق، والأمة تسري فيها الحياة بمقدار ما هي قادرة على الخلق والإبداع"(22)، هذه المقولة طريقة البدايات والنهايات، ووصف الاستمراريات المعتمة، وإعادة تكوين التطورات في الشكل اللاخطي للتاريخ الغربي، ومن ثم لا يسقط الطرح العبثي في التبسيطات والتعميمات الساذجة والتي بواسطتها تسمح لنفسها بادعاء الوساطات قصد تكسير كل الحدود في المجالات النقدية والمسرحية والنفسية واللغوية، ولكي ندرس تاريخ هذه الحقبة يتجه بنا الوعي إلى توعية الأسئلة التعبيرية، والتي لا تحتاج إلى المهادنة، ويقول "مطاع صفدي": "إننا نحمل بيدنا مصيرنا، وعلينا أن نكون مسؤولين عن تاريخنا بواسطة التفكير أو بالأحری، بواسطة قرار نلزم حياتنا به، وكلتا الحالين لابد من فعل عنيف لا يبرره إلا تحققه الواقعي ذاته"(23).

فالوصف الذاتي يعتبر بالضبط مفهوما وجوديا عن تاريخ الذات في العالم، ورفض مسلماته وفرضياته، ومحاولة لإقامة تاريخ جديد يدخل في صراع مع الذات، بمفهوم "فوكو"، كمقولة مرافقة لصراعه ضد الاستمرارية المثالية، فهناك تلاحم بين الذات والتاريخ المؤسساتي، بحيث يمكن اعتبار هذا التأريخ الاستمراري بمثابة الرابط الضروري للوظيفة التأسيسية للذات"(24).

يتحول المسرح حسب الظروف والمناسبة، وتبعا لسنة التوظيف وقانون الممارسة الإبداعية والدرامية، فهو مستودع الفنون، والحساسية المستقطبة والمختزلة لكل إنجازاته، وعملية تجميع كلي لبقية الأشكال التعبيرية والتمثيلية، وذلك في أفق تقديم تصور كلي لبعض التجارب التي أرخت لهذه الحقبة البعيدة والقريبة منا، والتي بدأت الحرب الثانية، حيث بدأت الكتابات تغزو المألوف بأشكال غريبة ترتبط بالبعد التواصلي واللغوي والإبداعي والنفسي، فهذا الغزو الإيحائي جعل المسرح يساوق المعرفة الجديدة بكل الأشكال الجديدة وبكل التساؤلات التي تجعل الإنسان يطرحها على نفسه، منها: ما هو الهدف من الحياة؟ وما الغاية من الاستقرار والجلوس تحت الشمس؟ ولماذا يجري النهر إلى البحر، والبحر لا تعرف عمقه؟ وكيف يموت المبدع والعادي؟ ولماذا هذا التساوي؟ ويقول "حنا عبود: "هذه الفراعة العبثية التي تجدها في سفر الجامعة، قد نجدها في كل الأساطير والأسفار الدينية، فملحمة كلجاميش تدور حول البحث عن السر الذي يجعل الإنسان كائنا خالدا، فلا معني للحياة، طالما أن الموت يترصد كل حي وما قيمة حياة قضاها المرء في العمل والكدح والتعب، حتى إذا أتم أو كاد، لم يجد سوى الموت مصيرا"(25). من هنا تأسست فكرة العبث عند هؤلاء المسرحيين الذين ذكرناهم، مما جعلهم يدركون حاجة الإنسان إلى فلسفة لا عقلانية لمواجهة الواقع الذي يكون بديلا عن ذلك الذي عاشه زمنا طويلا في تاريخه، ويقول "د. زکي نجيب محمود": "إننا عبيد في فلسفتنا الخلقية، وعبيد في فلسفتنا الاجتماعية، وعبيد في بطانتنا الثقافية"(26)، وهذا الاغتراب هو عبارة عن فقدان الإنسان لصفته الجوهرية، في سياق التصور العبثي المتمثل في الانخراط في غموض الوجود والتباسه، والإمساك بعلته الفاعلة. ومن ثم يتخذ فعل الإنصات لهذا الصمت كشكل اتصالي معرفي بالوجود المبني والقائم على المساءلة والتأمل في حركة الأشياء، بهذا المعنى لا ينبغي الاستسلام الذي يصدر عن الإنسان وهو يتفرج على غموض العالم، حيث يرفض أن الاعتقاد الوهمي يكون الأشياء ومعناها، ولكن هذا الاعتقاد جعل هذا المسرح اللادرامي يأخذ تضاده مع الدراما ومع القواعد الأرسطوطالية، على اعتبار أن وجود المضامين الدرامية في المسرح الجديد لا تستقيم مع كل شرط تواصلي، بل يتخذ البعد السخري والتفاهة تعددا وظيفيا، تمكن القارئ من عدم محاصرة المعنى، لهذا فالفعل اللاتواصلي منع على هذه اللغة نظامها المتميز والمختلف، بحيث تبني دلالتها الخاصة التي لا يمكن أن تقارن. فالكتابة بناء متراكب يمتزج فيها الكلام واللغة، ويتقاطع فيه الطرف والتليد، فهي محكومة بمراحل ثقافية، أي ما قبل تاريخي الذي يتحكم في كل نظام التغيرات التي قد تطرأ على الثقافة داخل النطاق الإبداعي المسرحي، إنه تنظيم تحتي للمعرفة وللثقافة، يسمح لنا بإعطاء الشكل العام والأرضية المتجددة التي تتأسس وتتمفصل عليها وبمقتضاها كل أنماط المعارف والممارسات الدرامية.

فالأمر يتطلب تشييد القدرة الهادفة التي تجعل الإنسان يتمرد عن ذاته وعن العالم، لأن هذا البند هو ما يميز الطابع اللاعقلاني ضد العقلاني، حيث يأخذ المسرحي تشاؤميته ومزاجه السوداوي. ويرى الوجود أنه يمثل الشر، ولا يحمل آية غاية محددة، بل الإنسان هو الضحية، والمجنون الذي لا يجد سبيلا للطمأنينة ولا الأمان.

وهذا التصور للتمرد هو من بين سائر التصورات الممكنة التي لا يرجع أصلها إلى الظاهرة الواقعية، ولا إلى مجرد تمثل الإدراك الذاتي، بل يأتي من الباطن ویستمد من أقرب وعي الذي يصور القوة اللأمرئية، وهذا ما نجده في "الدرس" "ليونيسكو" وفي "انتظار کودو" "لبيكيت" غير أن هذا الإشكال الذي يطرح هنا، يتعلق ببعض التداخل الذي قد يتحول إلى غموض عالم، لأن الاجتهادات التي تقدم في شكل نصوص تباينت في لحظاتها النظرية والتطبيقية  ولعل تحديد العلاقة بين المسرحي والواقع، وبين الإنسان والحقيقة ... هو من أكثر القضايا التباسا وغموضا، وعبارة عن تركيبة تتراوح بين الإعجاب والنفور، وبين الحب والكراهية، إذن كيف ينظر المسرحي العبثي إلى الإنسان؟ ولماذا هذا العبث؟ وكيف يتموقف من ذاته ومن العالم؟. إنها إشكالات متنوعة تحتاج إلى الحفر وإلى معرفة هذا المركز، وإلى التموضع داخل هذه الأسئلة قصد تجسيدها في شكل قنوات متنوعة ومختلفة إلى درجة لا متناهية، ورغم هذه الدرجات اللامتناهية من تحقيق البحث أو تجسيده، فإنه يظل المركز الواحد لا ينقسم ولا يتجزأ، وعبارة عن ماهية لا تنفصل، ونظاما ثابتا لا يعرف التفكك، فهو يتداخل مع مسميات أخرى ومع تعابير أخرى، لأن هذه المسألة تستمد مقوماتها من الحضور والهيمنة والاستعمار، ومن مصير الصراع الذي خلقه ضد الشعوب المتخلفة، لذا عمل مجموعة من المسرحيين بالتمرد ضد هذا الغرب بكل حضارته، وعلومه وارادته، وضد الإنسان الميكانيكي، فالتمرد هو المبدأ الذي ينبغي أن يحكم هذا السلوك اللاإنسانی حسب "دريدا"، ومن أجله يظل الصراع ضد الثبات والنهاية، لزرع إرادة جديدة التي هي الكينونة الجوهرية والأساسية(27)، والعالم اللامادي لا يشكل إلا نسقا كليا، بواسطته يتميز العالم والوجود، ويتخذ البعد الدرامی ازدواجيته من خلال البعد التراجيكوميدي، أو من خلال التعليل التاريخي الغير المسيج، لذا عمل "بيكيت" و"أداموف" و"يونيسكو" على تفكيك التفكير، واللغة، إلى أنوية تمثيلية ودرامية، الدالة عن اليأس من هذا الوجود الحقيقي، ومن كل الصور المستمدة من العالم الخارجي، فالطبيعة الإنسانية حسب هذه الجماعة، رغم إنجازاتها الحضارية ليست إلا ذات طبيعة حيوانية بمفهوم "موسكو فيسي" و"لامارك" و"داروين". ولكن هذا التصور خضع للضغوط البيونفسية، والحضارية، والمادية. مما جعل بعد الحاجة هو الوسيلة التي هددته في إنسانتيه وفي واقعه، وهذا ما نجده في مسرحيات "بيكيت" و"يونيسكو" و"سارتر"، مثل: "الذباب" و"الأميرة الصلعاء"، و"نهاية اللعبة". ضرورة تحاكم ضمير الإنسان وتجعله عاريا أمام نفسه، مكتشفا ما يبطنه من خداع ونفاق، ومن حب السيطرة بمختلف تمظهراتها، إنها نتاج للكبت الممارس على الذات من طرف الأنا الأعلى، والالتجاء إلى الإبداع هو عبارة عن تعويض لتلك الرغبات المكبوتة في اللاشعور، وإعلاء غريزي Sublimation، بدونها لن تحقق الذات توازنها الوجودي، فهي الميكانيزم الدفاعي عن الذات ومثاليتها، إن هذا التوضيح يجعل الكائن طبيعي وثقافي، والإبداع سلاح اجتماعي يكسبه قوة لمواجهة تهديدات الطبيعة والحيوان، والواقع، ويدفعه لبناء رؤية تهدم كل يقين. بناء متحرر من الجاهز الذي يتدثر بالهزيمة والتشيء، أكثر ما يفضي إلى التحول والمغايرة. لعلها إذن دعوة تسعى إلى مسح الغبار عن اللغة، من أجل بناء تواصل جمالي وجماعي يستبدل الانهيار بما هو مكبوت وما هو هامشي، يقول "نيتشيه": "عندما يعرف المرء ما الغاية من حياته، فإنه يرتاح تقريبا لكل "كيف"؟ إن الإنسان لا يصبو إلى السعادة وحده"(28).

إن طرحا كهذا يقودنا إلى الإقرار بنوعين من التحول في إطار فهم المسرحي للمسرح، تحول الواقع وإعادة تنظيمه، أي بداخل نفس المجال الدرامي الواحد، حيث تبقى العناصر تتحرك تحركا داخليا، وبهذا الإقرار بالقاعدة التحولية، تتمفصل الوحدات النصية والدرامية، وكذا الاختيارات الفكرية والمعرفية، وبهذا المعني، فإن مفهوم المغايرة والضدية، قادت إلى حد كبير كل أنماط التأويل، وتناولت النصوص، وأباحت معرفة الأشياء وتفسيرها، لمعرفة من يتكلم داخلها دون انغلاقها(29)، وهذا الاكتمال لا يتعلق إذن بالجانب اللغوي الذي يسعي دوما إلى معرفة الأسس الدرامية المرتبطة خارج النسيج التركيبي العام، لأن المسرح الطليعي يتميز عن باقي الأجناس التعبيرية والأدبية، حيث تداخل فيه عدة عناصر ومكونات، فهو نسيج علاقات معقدة، لأنه عمل مفتوح وغير مختوم، ونسيج فضاءات بيضاء ينبغي ملؤها. وذو طابع اختزالي يحيا وينمو بما يقدسه القارئ من قراءات ودلالات. بهذا سيدخل الحقل المسرحي في إطار تاريخية جوهرية، تسكن في دائرة الأشياء لتفصلها وتحددها في تناغمها الخصوصي، مما أدى إلى فقدان اللغة مكانتها المفضلة، وصارت صورة للتاريخ الغير المتناغم، وبقدر ما هناك من اللاتناغم واللاتواصل بين العناصر بداخل الفعل الدرامي، بقدر ما يحدث انشقاقا وقطيعة بين القاعدة الكلاسيكية والقاعدة الطليعية، لذا نتلمس نوعا من التحول يخص التوظيف التمسرحي كشرط لوضع جديد في نظام التواصل، حيث يظهر لنا انفصالين في ابستيمي الثقافة الغربية: الانقطاع الذي دشن العصر اليوناني والروماني - والوسيط – والنهضة الحديثة، وذلك الذي أحدث ثورة كوبيرنيكية في بداية الطليعيين.

إن الأمر هنا لا يتعلق باستمرارية خطية كلاسيكية، أو إبراز الكيفية التي ينبني عليها التقدم المعرفي والفني والثقافي، وإنما هو إظهار "لفعل توقف ثقافة في سنوات قليلة، وفي بعض الأحيان التوقف عن التفكير في الشكل الذي فكرت به إلى هاته الحدود، وتتجه للتفكير في شيء آخر وبكيفية مخالفة"(30). وهذا التصور الفوکاوي جعل البعد القطيعي كنشاط معرفي متميز، ومدار اهتمامه، بدءا من التعرف على وظائف الخطاب السائد، مرورا بالحوار مع استقصاءاته النظرية والمنهجية، ومغامراته المعرفية الموغلة في التجريد، وصولا إلى تنقيب الممارسات الإبداعية، ولذلك فقد تنوعت الدراسات وتباينت المعالجة، من الدراسة النظرية الخالصة التي تعيد النظر في كل المتون المتلقية والمتقبلة، وتدير حوارها الجدلي مع التيارات السائدة، واستقصاءاتها المنهجية الجديدة للوصول إلى قراءة تتوخى معرفة ما يحوم في واقعنا الحديث والمعاصر، حيث يسعى هذا التيار لتأطير اجتهاداته وكذا بلورة نسق جديد يساهم في فهم الخريطة الإبداعية، وكذا التعرف على مسارات البعد الدرامي، مع إيجاد صيغة جديدة التواصل مع العالم، من هنا غذا الإنسان الطليعي سيزيفيا معلقا بالأمل وعدم الانهيار أمام هذا العالم الأخرس، حيث يتحرك بعيدا عن مشيئته، ومناقضا لما يجيش في صدره من آمال حسب تعبير "ألبير كامو" في كتابه "أسطورة سيزيف"، وهذه النغمة الوجودية لها خصائص داخلية تدمج الواقع بالمتخيل، واليومي بالإيحائي، وتحولت المقومات والمكونات البنائية إلى فاعلية اللحظة المكثفة الموحية الدالة، وفي صميم الإرث الإنساني كانت الفرضيات تؤكد بأن الإنسان مخلوق عقلاني يعيش في عالم مفهوم، وبأنه جزء من تركيب اجتماعي منظم، إلا أنه في السنين الأخيرة بزغ فجر الوجودية التي اعتبرت هذا الإنسان كائنا معزولا قذف به في كون غريب، وهذا الكون عاريا من أي حقيقة أو قيمة إنسانية، وهي تنجه من العدم الذي خلقته منه إلى العدم الذي لابد أن تنتهي فيه، وهذا الفصل بين الإنسان وحياته، وبين الممثل ومحيطه يشكل حقل الشعور بالعبث واللامعقولية حسب تعبير "ألبير کامو" في "أسطورة سيزيف".

إن هذا اللامعقول أو الاحتجاج والرفض كما سمي، لا يقتصر على إبر از تفاهة الوجود وعبثية الحياة، إنه يوغل في أغوار الإنسان ليعمل علي تشريحها وإظهار الميول والنوازع والرغائب الداخلية، وهو الأمثل والأنبل الذي يكسر هذا الصندوق المذهب (اللاشعور) والمسيج للتغلغل في ما وراء السلوكات والأخلاق الإنسانية، ويقول "حنا عبود": "إن الإنسان داخل العالم، ومواجهته للموت الذي يتربص به في كل لحظة وحيدا من غير مدد ولا سند"(31). فالإنسان إذن منطقة شمولية مستقرة في النفس، تدفعه إلى تحقيق هذه الرغبات والشهوات والميول وفق مبدأ اللذة حسب تعبير "حنا عبود"، ولكن هذه المنطقة تكون خاضعة للرقيب، التي تمثل المجتمع بكل أوامره ونواهیه، حيث تدفعه إلى التصرف حسب حاجيات المجتمع ووفق المبدأ العام؛ إذن هناك میدآن متناقضان، مبدأ اللذة ومبدأ الواقع، وبما أن المجتمع أعم من الفرد وأقصر منه، فاللذة خاضعة لمراقبة وسيطرة الواقع، إذن كيف السبيل للوصول إلى جوهر الإنسان؟ "فالسبيل للوصول هو تكسير كل المفاتيح المسيجة بالمنطق وإزالة العازل للتواصل عن طريق الحيل المشیمي لمعرفة كل الترسبات اللامرئية، وإظهار الطبقات المكبوتة التي تخرج كزلات اللسان والجنون وكتداعي  الأحلام"(32). إن الإنسان المظلوم ابن اللذة العابرة وابن نزوة رجل زحف على بطنه نحو العالم، فاكتشف الألم في قارته، إنها لعبة تملأ الفراغ، لعبة تصور الفزع والتفكك، إنسان ينظر المجهول لا حول له ولا قوة، يشاهد كيانه يتزلزل، ويشرب من الجحيم، وتموت أفئدته، ويقول "يونيسكو": "إن الإحساس بعبثية ما هو عادي وشائع، وبعبثية اللغة - بزيفها - رآها هو بالفعل تجاوز لهما، وانطلاق إلى ما وراء هما، ومن أجل أن نتجاوزهما يجب علينا أولا وقبل كل شيء أن ندفن أنفسنا فيهما، إنما هو كوميدي، هو غير العادي في حالته النقدية الخالصة، ولا شيء يبدو لي مثيرا للدهشة أكثر مما هو عادي مبتذل، إن هو فوق الواقعي موجود هنا في متناول أیدينا وفي محادثتنا اليومية"(33).

فيونيسكو في نصه هذا يرى أن العادي أو المألوف أو المعقول يتحول إلى المدهش والقريب، وذلك بناءا على رؤية جديدة، عبثية متمردة ضد كل الأسس المنطقية والحياتية والاجتماعية، لذا ينبغي أن نعيد ترتيب العالم وتركيه وإدارة حوار بينه وبين الجديد ليتخلص من هذا كله، كمجال من مجالات الخطاب الإنساني، ينطلق من مصادره مصورا نوعا من التلاحم بين عملية الهدم وإبداعيته للبناء، فليس ثمة جديد دون خلفية نقدية. وقد أتت مسرحيات "يونيسكو" تعبيرا للأفكار الجديدة والحاملة للعناصر العبثية، منها حالة اليأس والتلاشي والجزع الذي يشيح الغبطة، وحينئذ ينفرط عقد اللغة، وتفرغ من مضمونها ويزول خطر الأشياء، فلا نملك إلا الضحك، والحالة الثابتة الموجودة على الريبرتوار الكلاسيكي تعتمد الاختناق والازدحام، ولكن "يونيسكو" هاجم هذا المسرح بلغته المصطنعة، وهاجم "أرسطو" ساخرا منه سخرية مرة، ومحطما كل القواعد للبناء الدرامي، وقلص الشخصيات والحوار، فلا الحوادث مصوغة في قالب مشوق، ولا هناك عقدة وحل، ولا قضية ولا زمن يذكر، فالكل يفكر كما يشاء ويتداع "أو الاكتشاف حسب "يونيسكو"(34).

يطرح "يونيسكو" قضايا منهجية وموضوعية التي يتوجب على القارئ أن يتأملها، لأن هذه القضايا تؤمن بأهمية إنجازها وجمالها، وتنحرف بها في بعض الأحيان عن الخط الذي صنعه، لأنها تغلب البعد الذاتي عن الموضوعي، وهي إشكالية تتأسس عادة من الضد كما قلنا، فالوعي باستقلالية القراءة وضرورة تجنبه كل الانتكاسات والأزمات التي يعاني منها النقد المسرحي، بالإضافة إلى إخفاقه في القيام بوظائفه المتنوعة والمتعددة، ومن إبداع تيار من الدلالة والمنهجية التي ترفض عملية المغايرة والمعاودة والإبداع، إلى ملاحقة الإنتاج الطليعي والغربي، والتعامل معه بموضوعية. ولكن هذه القراءة تفتقر إلى دورتها، نظرا لثقلها على الظروف الاجتماعية دون التعامل مع النصوص، كما فعل "حنا عبود" ود. "غنيمي هلال" و"إسماعيل عز الدين" و"فاروق عبد القادر" ... وانطلاقا من هذا الاستقراء النموذجي نرى أن الثقافة المسرحية العربية لم تتحقق في مغامرتها ولا في تقربها إلى المرجعية التي ينبغي معرفتها، لأن المسرح هو أشد الأشكال حاجة إلى هذه المغامرة، نظرا للمفارقة بين ما يوجد في الغرب وما يقوله الواقع العربي؛ لذا يقول "صبري حافظ": "إن غياب البعد الفلسفي والمنهجي منه، لا يمكن أن يعوض بحساسية الناقد أو قدرته المرهفة على استشعار الواقع كما هي الحال بالنسبة للفنان المبدع"(35).

من خلال المقارنة ندرك بسهولة حدود المعرفة وبصفة خاصة حدود المعرفة المسرحية والنقدية العربية، وهذا ضد على الإدعاءات التي نلصقها بها من أجل الإقرار بوجودها، ولن يعرف أي شيء بتدخل المركز، حيث وجد المسرحي العربي نفسه محصورا في اهتماماته الخاصة دون التلاقي معه، أو معرفة الخلفية الفلسفية كما فعل "أركون" و"الجابري" و"إدوار سعيد" و"جورج طرابشي" و"مهدي عامل" ... وهذه الفئة عملت بتحديد المكان الذي ينبغي أن تحتله وتتموقع داخله، وذلك بالمقارنة وبالقراءة الإبستمولوجية، وهذا يتطلب دراسة واسعة المعرفة هذه الإزدواجية التي تحكمنا والتي تجعلنا أسری ضمن السؤال التالي :لماذا نحن منغلقون؟ ولماذا لم نستطع أن نصنع نحن العرب قارة جديدة ضمن القارات المعرفية؟ وهل نملك قوانين علمية لإنجاز قراءة موضوعية؟. إن هذه الأسئلة تبقى مقولة كبرى، وهي نتاج تدخل الفلسفة في الأدب، والأدب في التاريخ، والتاريخ في العلوم الإنسانية، وهذا ما ستراه في الفصول اللاحقة.

إن تاريخ المفهوم المرجعية يلتقي مع تاريخ المعارف الأخرى، يتحدد في خطاب خاص أو في نص أو جنس من قبل المجال المعالج. بهذا يشكل معطى مهما للصرح التطبيقي، وقد كان اليونان أو من ابتدع "المفهوم" بطريقة دينامية وأكثر تدقيقا، وتاريخيا أكثر تعقيدا. فالنقد المسرحي عبارة عن مفهوم يؤدي إلى إمكانية إنتاج معارف علمية وعملية، فهو إذن دراسة خاصة تفرض مناهج وتقنيات محددة قصد الحكم على طبيعة الوسائل والأهداف، فالنقد المسرحي إذن يعمل دوما على الإخراج من شرنقة الماضي، ليمتطي صهوة الحداثة والمعاصرة، والتقرب إلى سر صناعة الإنسان، والوصول أيضا إلى معرفة أسرار بلاغة العالم، حتى يكون الإنسان بحق صائع نفسه بنفسه، يعرف أحكام صنع الكلام، للتمكن من الكشف عن مساوئ التواصل. لذا يبقى الفعل التغايري والضدي تجاوزا للذوق والوضوح، لأن الخضوع لهذه القواعد لا يعلى مساءلة الجوهر الباطني للنتاج والكشف ما وراء اللغة، لأن النقد المعياري يلجم كل قول حول الكتاب، ويمنع اللغة من الحديث عنها، لذا يجب أن تكون محطة حراسة وخاضعة للقانون لأنها دولة الأدب والفن، ويجب على النقد أن يكون منضبطا، شأنه شان الشرطة، وأن تحرير الواحد يعني تشتيته وإفهامه، وبالتالي اتهامه بالعدول والخروج عن المألوف والجاهز حسب "رولان بارت" في کتابه (نقد وحقيقة)(36).

لكن معرفة نظرية الإبداع الأدبي والمسرحي جعلت هذه الوضعية متعلقة بكل العناصر التي كونت هذه الإمكانية، حيث لا يوجد تاريخ نهائي للنقد المسرحي إلا بحضور التاريخ المرتبط بالمصير الحقيقي للمسرح، لأن النقد المسرحي هو تاريخ المسرح، حيث يوجد نقد للمسرح وحيث يوجد تاريخ للمسرح النقدي، فالمسرح معرفة غير مغلقة في الحدود التي نقعدها في فترة خاصة فقط من تاريخها، وهدف هذه التحديدات هو التحريك بالضبط من جراء هذه الاكتشافات وتغيرات المشاكل والمفاهيم التي تمكن نقدا مسرحيا من التطور، فهو ليس ابستیمی متخصص، فعليه إذن الأخذ بعين الاعتبار علاقة تكون تربطه مع باقي الفنون الأخرى، مع تغير مستمر لحدوده. والناقد حسب هذا المنهج يدعو إلى خصوصية الأدب وجماليته، وعليه أن يسير في منطقة محددة لا يمسها أي رافد خارجي من تلك الروافد الغير اللائقة والتي هي التاريخ والعقل، هذا الطابع الأخلاقي المتحقق هو غير متكافئ نظرا لارتباطه بمحذورات عديدة، وعدم استخدامه للرموز كتعایشات للمعاني، فهي مضطربة ومحدودة ومرفوضة.

أصبح فخطاب النقد المسرحي يخترق الكتابة بواسطة عقل منطقي جديد يساعده متخيل جديد، للقيام بدراسة لكل المناطق العارية للتجربة الباطنية، مما جعلنا نبحث عن حقيقة تخص كل كلام، سواء كان تخييليا أو شعريا أو مسرحيا أو نقديا، لأن النظرة النقدية الحديثة تخطت كل المعضلات الأفلاطونية، وجعلت المسرح متحررا من كل المصادرات المعيارية. ويقول "صبري حافظ": "إن منطلق البحث الأدبي الجديد ينطوي على مصادرة مهمة، ترى أن الأدب نشاط إنساني برر نفسه بالفعل من خلال استمراره وفاعليته عبر الحياة الإنسانية التي نعرفها، فلم نعرف تاريخيا منذ المجتمعات البدائية وحتي اليوم بوجود حياة إنسانية لم يكن لها نشاطها الفني والأدبي، منذ رسوم إنسان الكهوف المدهشة، وحتى أحدث الأعمال الفنية والأدبية المعاصرة، وهذا الوجود التاريخي للأدب هو الذي ينفي عن دائرة البحث أسئلة الوجود ودوافع الدافع عن نشاط صمد لعوادي الزمن ... فلم يعد بعد السؤال المطروح هو ما هي وظيفة الأدب؟ وما هي مبررات وجوده؟ بل تجاوز ذلك إلى ما الذي يجعل الأدب أديا؟ أو الفن فنا؟ أي ما هي طبيعة أدبية الأدب وفنية الفن"(37).

فقراءة لهذه التيارات، مكنتنا من الوقوف على الطابع الإيجابي والسلبي العام المرتبط بالواقع، وبالوجود، وبالإنسان. لأن هذا الإنسان الذي ولد مع العالم منذ فترة طويلة، التصقت به حب المغامرة والبحث والهدم من أجل البناء، وهو مرادف للذاتية المطلقة والهوى الشخصي، لأن مدلوله متواصل ومنسجم مع التصورات الكلامية والنزعات الإبداعية التي عرفها في حياته، لذا اعتبر المسرح من مكونات التسلية والسخرية، وعالما عرف بتنوع مناهجه ومدارسه ومضامينه المسرحية والنقدية والفلسفية، لذا نبع العديد من المبدعين والنقاد أمثال: "بونيسكو" و"روبنسن" و"بیكیت" و"كامو" و"أرطو" و"كاري" و"دوراش" و"ألان روب کرييه" و"ناتالي ساروت". فهذه الفئة التي عایشت التغريب والتلذذ بالوحشية الفكرية والانخراط في سديم الفراغ والعدم لمعرفة تلك الأستار والأقنعة التي تحجب الحقيقة، ولفتح النوافذ والأبواب على مصراعيها أمام الثورات والتيارات المغايرة والبعيدة عن عتبة الواقع، والمندمجة في اللاوعي الشمولي هذا الإلغاء للثبات والهيمنة جعل التناضد من الوجود واللاوجود، ومن الإنسان والمطلق، ومن الوهم والحقيقة، نسقا متجانسا يكون مطالبا بالتلاحم مع معنى مفتوح ومع كل المعطيات التي تنتمي إلى الشرح الكلي: لماذا هذا العبث؟ ولماذا هذه النهابة المأساوية؟ سؤال أنطولوجي ينبثق من علاقات متعددة سواء في بعده المجازي أو الرمزي.

يغدو الفعل المسرحي إيقاعا متصلا بالطابع اللامحدود من التصورات الذهنية والواقعية والخيالية، ومجموع الخطوات التي تقود إلى اللامطابقة بين النص والواقع، وتتأسس على الجمع بين الدلالتين في شكل حركته التي تراعي الشرط التأويلي كقاعدة وكحركة باطنية في إدراك الظواهر. فالتخریج المسرحي حسب هذا الاتجاه يؤدي إلى الصيغة الفعلية التي تتموقف من العالم والإنسان، ومن كل آثار الطوفان التي لا زلنا نواجهها بقلوب دامية، حيث لا نعرف المسلك في هذا العالم الأخرس كما قلنا، ومع أننا لا ننفي صفة الحركة التي نعتبرها الضوء الهارب في هذا الكون، وفي هذا الوجود الإنساني، والنغمة الساخرة التي تفضح واقعية الإنسان المادي والمتناقض، باعتباره لفظا لا يحتمل إلا وجها واحدا، وإخبارا عن حقيقة واحدة، لأن الكشف عن الدلالة الإيحائية التي تؤكد على هزلية الحياة واعتبارها لهوا ولعبا، يجعل الإنسان يلهو معها بكل تفاصيلها وشرعيتها القانونية، فهو لا يختص في المعارف الواحدة التي تحدد کينونته وتسهل فهمه. فعمليته إذن تشبه مهمة المحقق والمؤلف الذي يعتمد التحدد والإدراك والفهم والتفسير والتحليل والنقد(38)، فالصلات الإنسانوية ليست سوى عتبة ممهدة للتأويل، لخلق التوتر بين الذات والعالم وجمال التواصل من ناحيتي الزمان والمكان، فنصبح نحن الممثلين الذين نختار الاحتمالات ونعوض الوضوح بالغموض وبالمجاز قصد العبور من النهائي إلى اللانهائي حسب مفهوم "كارل منهايم" في كتابه (الإيديولوجيا والطوباوية(.

فالتأويل استجابة لهذه الدعوة للانتقال من المحسوس إلى المجرد قصد الكشف عما يبطنه هذا الإنسان في بعده العلائقي، وهذا ما يتبدى في تلك المسرحيات، أمثال: "المغنية الصلعاء" التي كانت مفاجأة كبرى للنقاد والمتفرجين، ويقول أحد النقاد: "وحقيقة الأمر أن كل ما في الحياة يتضمن عنصرا دراميا، كل ما هناك أن المواد التي استخرج منها يونسكو أعمالا مسرحية لم تكن تتضمن عنصر الدراما المعتاد والمتعارف عليه لإخراج العمل المسرحي، إن يونسكو يبحث عن الموقف الدرامی خارج المسرح، وإذا كان الموقف يختلف عن المواقف الكلاسيكية المعتادة، فإن هذا الاختلاف ينحصر في أن يونسكو يدرك أنه الإنسان، ويدرك موقفه هذا كإنسان في مواجهة عالم يشعر أنه ليس عالمه، وهو موقف رئيسي وأساسي في سائر أعماله". بهذا المعني يكون التأويل عبارة عن رحلة من عالم إلى عالم آخر، ومن سياق إبدالي إلى مستوى آخر، ولا يمكن لهذا الأخر أن يتشكلن إلا بالدراسة والممارسة والاجتهاد الباطني كلها عمليات تؤكد الصيغة المثلى لهذه المواقف كسؤال يفترض القدرة الشخصية للأنا، في حين تهيمن عملية التفسير القبلي الذي يشتغل على صورة النص السلطوي المحمي بميتافيزيقيا الأصل، والهوية. وهذا ما رأيناه في العصر الكلاسيكي وعصر النهضة والعهد الفيكتوري، الذي يتمسرح بشكل خطي يعتمد على المأثورات ويتجنب التأويل، لهذا فهو يمنح لنصه هذه النسخ كقيمة مثلي والتي هي تحليل المماثل إلى المحكم ليحد من تعدده وتأويلاته. وأعدت هذه الممارسة النقدية على فعاليتها في الكشف والإبانة عن الدلالات الإيحائية والباطنية لكثير من الوقفات العبثية التي عملت على إغناء بعض الطرائق والصور التي تتبلور في شكل طبائع جديدة، والتي تتعايش مع الممكن والمحتمل. يقول "ميشال فوكو": "إن يؤول ذاته من جديد إلى ما لانهاية، وأن يتناول ذاته من جديد وعلى الدوام(39). هذه الخاصية الملازمة للتأويل جعلت "بيكيت" ينسلخ عن الواقع ويبعد الإنسان عن تاريخيته، ويتعلق بالتفاهة التي قد تحصل أو لا تحصل، ويحشد المواقف الشخصية بالعبث والعدم الذي يخترق الزمن والمكان والأشياء والذات. مرارة نتجرعها جميعا لأنها ساكنة في لاوعينا، وموظفة توظيفا لازمنيا، وتضعنا أمام أنفسنا لا تربطنا بالمجتمع أية صلة، لأن الظاهرة الإنسانية والاجتماعية عشوائية غير غائبة، لا تقبل الاستراتيجية والمقاصد، بوصفها فرضيات سائدة. بل تتأكد بالممارسة السلبية، سلبية التاريخ من بعده التطوري، وكذا غياب القيم الإنسانية ونكران الجهد الإنساني، لقد اكتسبت الضرورة والممارسة المسرحية الطليعيين قيمة جوهرية، لذا تعاملوا مع الإرث الاجتماعي والسياسي والوجودي في شكل أخيلة منظومة تساوق مع الطروحات التي تنبثق من الاستراتيجية المغايرة للاستراتيجيات السائدة. وفي خضم عملية البحث والتعرية عن مشروعية هذا التيار، اعتبر أن الاتجاه العبثي يحوي ما يقبل التأويل، وهي المواقف الخاصة بالصفات الوجودية واللامعقولة والتي لا تسقط في المماثلة والمشابهة لإثبات اللاعقل الذي يبني التصور النسقي المتناغم مع القضايا الإنسانية، ويؤسس بالمقابل مبادئ حيوية لنظرية الإنسان إلى العالم والوجود وإلى ذاته. يقول "على عقلة عرسان" في هذا الصدد: "يعتبر بيكيت" مجددا بل على رأس المجددين في المسرح الطليعي، ومازال سبيل العطاء منبعثا من قبله، ومن يدري فقد يأتي يوم يعود فيه "بيكيت" و"يونيسكو" إلى المعقول ويلتزمان بالمنطق الذي وقف للإنسانية الأزمات وساعدها علي التقدم، من يدري ربما عادا إلى المنطق واقتنعا بأن الصرخات التي توجد للمدى اللانهائي لا تجدي وأن تطوير الإنسانية على هذا النحو وهي تعيش حياة انتظار ممل وتصوير زحف الموت على معاقل الحياة، أقول ربما اقتنعنا بأن ذلك حماقة قد يقتنعان بأن تجسيم اليأس والتساؤلات المطلقة لا تخدم الحياة بقدر ما يخدمها الانطلاق مع الإنسان ..."(40).

انطلاقا من هذا التصور نحس بأن الهدف من إرساء تلك الضوابط التي تخلق تصورات جديدة للممارسة المسرحية النظرية والنقدية، عبر تحويل عميق من خلال تصور مغایر مع النصوص السالفة. بهذه الدلالة غدا الإنسان مفهوما غير محدد، وإشكالية مرتبطة بالحقيقة والمشابهة، واستجابة للمحافظة على مقومات الوجود البشري، وتبلور مع امتداد التجربة التأويلية. فهذه الضوابط التي تسمح بالتأويل والتركيز على المعطى المعرفي والتاريخي والقصي، جعلت هذه المظاهر الواقعية تؤكد مرة أخرى أن النصوص المسرحية الجديدة قد تشكل النموذج الذي ينبني عليه النقد الغربي القديم، ويقف وراء معرفة استمرارها التاريخي النقدي الحديث. إن المحددات العامة لا تنفي مع ذلك أنه إذا كان النقد الغربي قد بلور تصورا معينا لنقد النصوص، فإن تفسيره لا يتجاوز الحدود الخارجية، تاركا للمعرفة الداخلية هامشها المتمثل في المسكوت عنه. يقول "يونيسكو": "إنني لا أعرف أبدا أن أروي مسرحياتي ... إنها بأكملها ترد في الحوار، وفي الحركات وفي الصور المسرحية، فإنها تخاطب البصر كما أفعل دائما، . . . إنها الصورة أو عبارة الحوار الأولي، هي التي تفتح عندي السبيل دائما لعملية الخلق، ثم أدع شخصياتي نفسها أن تحملني، ولا أعرف أبدا إلى أين أنا ذاهب على وجه التحديد، إن كل مسرحية بالنسبة لي مغامرة صيد، استكشاف لعالم يتجلى لي وأنا أول من يندهش لوجوده"(41). ينهض تصور "يونیسكو" على نوع من التقاطب بين المعرفة والعارف، وأن تراتبيته في البناء والتوظيف، جعلت الفعل الممسرح مختصا بما يتطلب ذلك من أدوار ومواقف، وموجها إلى متفرج نموذجي حسب تعبير "إمبرطو إيكو" في كتاب "القارئ في الحكاية"(42).

وتبعا لذلك، فمسرح اللامعقول بالقياس إلى المسرح العالمي في نسق أنواعه ومذاهبه الرمزية والواقعية والملحمية والبرناسية، يتراجع لأن الميتافيزيقية غطت على وجوده كقوة متغيرة ومتاريس غيرت الإنسان، فتغير معها الجد والمعقول، وأمسى عاريا كما هو في مخاضه وولادته ووجوده الأجوف وانتظاره المرعب، وهذا ما نلمسه في نهاية اللعبة التي أصبحت خسارة منذ العهد الماضي وكيف لا تكون والوقت نفسه ليس غير لحظات من لا شيء، الآن ودائما، لم يكن له من وجود أو هو انتهي نهائيا، وتمت القصة، وهذا الانغلاق في مسرح الأسرار الكونية، جعلنا ندرك أن هذا الجوهر يمكن التعرف عليه بیسر، متى أمعنا النظر في تيماته المبثوثة في ثنايا نصوصه. وبناءا على هذا التصور، فإن العملية الوظيفية يجيد بواسطتها الفرد عن سؤال أو مشكلة أو وضعية محددة إلى جانب ذلك عملية توازنية تمكن من ضبط العلاقة بين التلاؤم والاستيعاب، لأن التأثير المنهجي على الموضوعات والأشياء الخارجية عن الذات، تحويلها وتفكيكها وفق العلاقات فيما بينها، مع إقامة علاقات جديدة. فالإقرار بأن إشكالية التطور والتحول المنهجي تشكل أحد الموضوعات الساحرة والشائكة في أنه واحد في مجال الدراسات النقدية والسيكولوجية، حيث لم يعد سهلا اتخاذ المسرح موضوعا منفردا وخاليا من الملاحظة والتجريب، ومن المثير والاستجابة، ومن التقليد الإمبريقي؛ بل ينبغي الإلمام بكل التحولات السلوكية والاجتماعية، وعوامل التحفیز والاقتران والتكرار، لمعرفة مبادئها وشروطها الأساسية وبالتالي توجيه اهتمامها الكامل إلى البعد الأدائي المشروط بخصائص درامية، وبتمثلات رمزية. إذن فالوضعية المسرحية لا تهمل سیرورة النمو، بل تهتم بالسيرورة التمسرحية وبمثيرات الإنسان، فإن حدودها ستظهر بسرعة، حيث إن خطاطة المثير - الاستجابة بالمفهوم السلوكية(43)، رغم التعديلات التي أخلت عليها من لدن النقاد والباحثين بخصوص التأكيد على المتغيرات الوسيطة الموجودة بين عوامل البناء النصي والأداء التمسرحي، ومعني هذا أن تفسير النشاط المسرحي ينمو ويتطور بشكل كبير وبروتين متمايز ويفترقان في سيرورة التمسرح بين أنواع من التخريجات والتحريضات والنقد. لذا بشكل نموذج "يونيسكو" و"بيكيت" عن العوامل الميتابنائية المثال البارز على هذا الاهتمام بسيرورة البحث الدرامي والأدبي والنقدي يقول "غادامير": "ففهم نص ما، يعني أولا وقبل كل شيء تطبيقه على أنفسنا، وإدراك طابعه الأحادي، بالرغم من كونه يمنح نفسه كل مرة بصورة مختلفة ويفهم بطرق مغاير"(44).

يرتبط الفهم التمسرحی بالنص، لأن العرض هو الشكل الذي يسمح لنا بأن نعرف ما موقف المبدع من العالم؟ ومن ذاته؟ وما الوجود؟ فبالكتابة يكتسب النص إمكانية الانفصال عن مألوفيته وفعله الإبداعي وتنمرانه حسب مفهوم إنه توليد جديد للتراث المسرحي، ومن ثم يغدو العرض عرضا تأويليا إلى عمومية الكلية، ويقول "غادامير": "إن تأويلا ما لا يكون صائبا إلا باستعداده للإنمحاء والغياب التام"(45). هذا التأكيد الإيحائي يجعلنا نفكر في بعض الأليات السيكولوجية التي تجبر على الإنصات والانتباه إلى ما يحدث على الخشبة من تغيرات، ليصبح الفعل الدرامي وضعا يتعادل فيه الاستيعاب بالتلاؤم، والنشاط الحسي بالحرکی.

يرتبط مفهوم التلاؤم والقصدية بفكرة التعالق بين فعل الوعي ومضمونه، إذ الوعي ليس وعاءا محايدا ينبغي أن يملاه، بل إنه يتكون من أفعال قصدية سواء كانت تخيلية أو إدراكية، ويتحدد كإنتاجية غير مقيدة بوضعيات ثنائية الذات والموضوع. یقول أحد الباحثين: "كل موضوع يتعلق به الوعي، يمكن أن يظهر لنا إما في كيفية أصلية؛ أي حدسيا، وإما في كيفية يعرف بها الوعي أن موضوعه غير معطى أصليا، وأنه لتحقيق أو تأكيد ما يقصده في تلك الكينية غير الأصلية، يتوقف على كيفية أصلية للعطاء دون أن ينجزها حاليا"(46).

فالوعي المسرحي ينبغي أن يلغي التعاقب المطلق، ويحاول أن يبرز أن الخطاب كممارسة لها أشكالها الخاصة في التسلسل والتتالي، لأن التاريخ المسرحي لا يتأسس إلا إذا نظرنا إلى الخطاب المسرحي كحيز تتخله مجموعة من الفجوات والثقوب، تربطها مجموعة من العلاقات والانتماءات والانتظامات والهدف من المسرح هو إعطاء لهذه الذات شعريتها المفقودة وانزياحاتها، قصد ايجاد متنفس جديد، لكون الاختلاف يزرع البعد الانفصال في الاتصال، والتحول في الثبات، والحركة في الجمود، من أجل إضافة قواعد التكون. يقول "ميشال فوكو": "إن الطريقة التي يفكر بها الناس، ويكتبون ويحكمون ويتكلمون . . . وحتى النقاشات في الشارع والكتابات اليومية، بل وحتى الطريقة التي يستشعر بها الناس الأشياء، والكيفية التي تثار بها حساسيتهم وكل سلوكهم، تحكمها - في جميع العصور - بنية نظرية ونسق يتغير مع العصور، إلا أنه يظل حاضرا في كل العصور وكل الأزمان والمجتمعات"(47).

فليست العملية المسرحية تربية بسيطة ولا قراءة ذهنية، بل قراءة انقلاب في الصورة والبصر، وتوجه بالأساس إلى التأثير والتأويل مع الأفق الراهن للذات المتلقية، باعتبارها الحقيقة الأصلية التي ننادي عليها في العملية الإبداعية، فهي التي يسمح لنا بالملاحظة والاختبار والإحداث، فهي مصدر تنظيم ومقدار الحقيقة، والباحثة عن الحداثة لتتجاوز النمطية البلاغية، ويقول "میشال فوكو": "في التحليل الذي أقترحه هنا، فإن قواعد تكون الموضوعات لها موضعها، ليس في العقلية أو في وعي الأفراد، ولكن في الخطاب ذاته، فإن المفاهيم تفرض نفسها على كل الأشخاص الذين يودون الكلام في هذا الحقل الخطابي"(48). فالتفكير في قبول دعوة المخرج والمؤلف ليس فقط تفكير في مسألة اللذة والرغبة، بل انخراط في مرحلة التأسيس لثقافة مسرحية نقدية، والتزام بقضايا الحرية، والعقل، والمواطنة. وسعيا وراء تأسيس رؤية جديدة لهذا المسرح، لتعزز فيه الذات ولتدعم قواعد السلوك، يقول "يحيى الجمل": "هناك آليات اهتداءات إليها المجتمعات الإنسانية لتكون السلطة اختصاصا ينفع الناس ويحقق لهم الأمن بالمعنى الواسع في العصر الحديث وللحيلولة دون تسلطها، وإذا كانت المجتمعات الإنسانية في صراعها من أجل تحقيق العدل والخير والحرية، قد استقرت على آليات معينة لابد منها لتحقيق أهدافها، فإن وراء ذلك كله وقبل ذلك كله تأتي قضية حاكمة هي مدي نضج الرأي العام وقوته"(49). فالمسرح إذن عبارة عن إنتاجية رمزية في صيرورة النشاط الاجتماعي، يستطيع المتفرج أو القاري أن يبحث عن تأويل له، مادام هذا المسرح تعبير فني ذو دلالات مرتبطة بعضها ببعض، وواقع وثقافة يعرف التعدد والتنوع، لیدخل في حوار يمزج المعرفي بالإيديولوجي، والتاريخي بالاجتماعي، والموضوعي بالعلمي، إضافة إلى عنصر المكاشفة والنقد، سواء أكانت سلبية أو إيجابية، وهو يرسخ واقعا متخيلا غير الواقع الواقعي، وبلور ثقافة جديدة ذات مرجعية متنوعة، يقول "جيلبير دوران  Gilbert Durand: "إذا كان اتجاه التحليل النفسي والأنطربولوجي والاجتماعي، قد اكتشفوا أهمية الصور الإيحائية، بعدما قطعوا صلة مع القديم منذ ثمانية قرون، نظرا لهيمنة الكبت والقمع الرمزي، فإن مع ذلك لم تكتشف المخيلة الرمزية إلا لمحاولة نسجها في النسقية الثقافية السائدة"(50).

يرى "فجيلبير دوران" أن البعد التخیلي الغربي عمل على إعادة واقعه بلغة رامزة ومتجانسة بين الدال والمدلول، حتي أصبح المسرح واقعا براد تخطيه بكل قيمه الفنية والجمالية، وخلق مفاهيم إجرائية تساعدنا على بلورة المنهج والتعامل مع النصوص وفق منظور متنوع ومتميز. فالتخييل هو البعد النقدي الذي أضافته البلاغة الغربية إلى عناصر الشعرية(51). لذا فالمتخيل يكتسي طابعا تجريديا يعبر عن وعي استراتيجي متقدم، متخطيا بذلك المفهوم التطهيري ذي الحمولة النفسية والأخلاقية.

فدلالات هذه المفاهيم والألفاظ ومحاولة الاقتراب منها كمفاهيم عقلية تجريدية - نابعة من سياقات مختلفة - يطمح المسرح إلى امتلاكها بهدف إجرائها على موضوع من موضوعات تأملاته، وفي الوقت المناسب يعدو أمرا محتوما، والبحث في دلالات هذه الألفاظ والمفاهيم الخالصة يقود بالضرورة إلى البحث فيها على مستوى الموضوع المدروس، أي باعتبارها- هنا - مصطلحات أدبية ونقدية. لا يمكن الوقوف عند تجليات الحداثة النقدية العربية، إلا إذا قمنا بمعرفة نوعية التأثير والتأثر التي حولت جملة من التساؤلات المحيرة منها: هل هناك نقد مسرحي عربي؟ وأي نقد تحدث عنه؟ وما هو حضور هذا النقد في بناء قارات معرفية جديدة؟ فليس المقصود بتقديم إجابات نهائية حاسمة حول ما تثيره هذه الألفاظ من قضايا شائعة، بل الهدف هو تقديم فهم معين لها، خاصة وأن الفهم متضارب بشأنها، على أساسه يتم رصد بعض مظاهر التأثير في الثقافة المسرحية العربية. لأن الأنظمة المختلفة التي تعمل على تأسيس قراءات تناصية هي التي تقوم ببناء أفق انتظارنا لمعرفة أنساق المعاني والدلالات، وبالتالي تبني تاريخيتها دون الوقوف عند هيكل النص المتجمد(52). لذا يتعين على الباحثين والنقاد العرب أن يخترعوا سياقات جديدة التجاوز الهالة الأسطورية للنص الغربي وكثافته التاريخية قصد اكتشاف مفاهيم نقدية، حيث في مهمة المسرحی لابد أن يكون له "ذوق فني يستمد منها قضايا الحكم، فلا يكون فيها مقلدا أو مأخوذا برهبة القائل، أو خاضعا للنظم المعرفية الأصولية على صعيد المؤسسة والسلطة، بل يتطلب مواجهة وتحليل ونقد وتفكيك"(53).

وجماع القول، إن السمات الدلالية هي مجموعة من الطروحات المميزة التي نشأت من تقاطع مستويين :

-1 مستوى شعري ونثري ومسرحي.

2-  مستوى فلسفي ونفسي واجتماعي وانتربولوجي وبنيوي وسیمیائی وتفكيكي.

وعبر هذين المستويين يأخذ بعد النقد المسرحي مكانة مرموقة، ودلالات محاطة بالتنوع التي هي عبارة عن تداعيات فعل "ألمسرح" وعن إيحاءاته الزمكانية التي تندرج في المسافة المعينة بين الغرب والعرب، وتتحول هذه المسافة إلى نقطة الالتقاء بين هاتين المسافتين لتنشأ علاقة محكومة بالسبق والنبش عبر نصوص رقمها المسرحيون والشعراء، أمثال "أبول فاليري" و"بودلير" و"أرطو" ... ليتركوا لنا فراغات ينبغي أن تملاها في الفصول اللاحقة.

وأخيرا لا يفوتني أن أشكر عبد الكريم برشيد، ومحمد بلمو، وإبراهيم الهنائي وحسن العلوي المراني، وعبد الرحمن بن زيدان وبن المداني ليلة، والإنسان بوشيبة، وكذلك النقابي مصطفى على قراءة ما أكتب وتحية لهم.

إنجاز: د. الغزيوي بوعلي

 

الهوامش:

(1)- - Ganger G.G. Pour la connaissance philosophique, éd. Olidezocob, Paris, 1988., P. 11..

(2)- عبد القادر المذنب: الفلسفة فكر وبيداغوجيا، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط. 1، 2000، ص. 38 .

(3) - جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، ترجمة: كاظم جهاد، تقديم: محمد علال سيناصر، المعرفة الفلسفية، دار توبقال، للنشر، ط 2، 0 0 20، ص، 82.

(4) - علي عقلة عرسان: الظواهر المسرحية عند العرب، المنشأة العامة ل لتوريع والنشر والإعلان، طرابلس، الجزء 1، ط. 2، 1983، ص، 9.

(5) - Gilles Girard et Réal Quellet : L'univers du théâtre. presse Universitaires de France. coll. littérature moderne, 2e d, 1986, P. 26.

(6) - Monique Boire : Martine de rougemont et jacques scherer. esthétique théâtrale, éd. CDU et Sedes, Paris, 1982, p. ??????.

(7) - د. محمد رياض الأبرش، نبيل مرزوق: حوارات لقرن جديد: الخصخصة، آفاقها وأبعادها، دار الفكر المعاصر، بیروت، لبنان، ط. 1، 1999، ص، 237.

(8) - إدغارموران: مقدمات للخروح من القرن العشرين، القسم الثاني، لعبة الخطأ والحقيقة، ترجمة: أنطوان حمصي، اصدار وزارة الثقافة، سوريا، 93 19، ص. 236.

(9) - Gilles Girard et Réal Quellet : L'univers du théâtre, op. cit., P. 185.

(10) - مارتن اسلن: مسرح أرطو - النطرية والتطبيق، ترجمة: سعيد الحكيم، مجلة الأفلام، عدد 8، سنة 23، أ. ب. 8 198، ص. 121.

(11)- مارتن أسلن: حدود اللغة في مسرح القسوة، ترجمة: سعيد أحمد حسن، مجلة الثقافة الأجنبية، العراق، عدد 4، 1986، ص. 45.

(12)- کاترین بيلسي: المارسة النقدية، ترجمة: سعيد الغانمي، دار المدى للثقافة والنشر، ط. 1، 01 20، ص. 172.

(13)- بوعلى الغزيوي: أرطو والتحلیل النفسی، جريدة بیان اليوم، عد د 1324، سنة 1996، ص. 6.

(14)- جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، مرجع مذكور، ص. 88.

(15)- Richard Mayer : Freud en corys, éd. somato therapned, France, 1995, P. 30 et 290.

(16)- جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، مرجع مذكور، ص. 90.

(17)- المرجع نفسه، ص. 84.

(18)- جاك دريدا: الكتابة والاختلاف، مرجع مذكور، ص، 121.

(19)- كاترين بيلسي: الممارسة النقدية، مرجع مذكور، ص. 173.

(20)- بوعلى الغزيوي: الاحتفالية وموت الأنطولوجية، ملحق المنعطف، عدد 446، سنة 1998، ص. 10.

(21)- عبد الرحيم تمحري، محمد الرويض: دیداكتيكية النص الفلسفي، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، مطبعة المعارف الجديدة، 1993، ص، 60.

(22)- د. زكي نجيب محفوظ: طريق الاستقلال الفلسفي، دار الطليعة، بيروت، ط. 2، 1988، ص، 29.

(23)- مطاع صفدي: مارتن هيدجر والكينونة، الفكر العربي المعاصر، عدد 3، تموز، 1980، ص. 5.

(24)- د. زكريا إبراهيم: مشكلة البنية، مكتبة مصر، دار مصر للطباعة، 1975، ص. 168.

(25)- حنا عبود: مسرح الدوائر المغلقة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1978، ص. 139-140.

(26)- زکی نجيب محمود: جنة العبيد، القاهرة، 9 19، ص. 174.

(27) - Schopen Hauer : The wille in nature - tr - by K Hillebrand, London, 1907, P. 5.

(28)- فريدر يك نيتشيه: أفول الأصنام، ترجمة: حسان بورقية، محمد الناجي، إفريقيا الشرق، ط.، 1996، ص. 10.

(29)-  Umberto Eco : Lector in fabula, le rôle de lecteur, op. cit., P.16.

(30)-  M. Foucault : Les mots et les choses, une archéologie des sciences humaines, éd. Gallimard, P. 13.

(31)- حثا عبود: مسرح الدوائر المعلقة، مرجع مذكور، ص. 165.

(32)- المرجع نفسه، ص، 146-149.

(33)- نانسي سلامة: تأثير يونسكو على صلاح عبد الصبور في مسرحية مسافر ليل"، مجلة فصول، المجلد الثاني، عدد 151، أكتوبر، 1981، ص. 145-149.

(34)- شكري عياد: البطل في الأدب والأساطير، مرجع مذكور، ص. 342.

(35)- صبري حافظ: أفق الخطاب النقدي - دراسات ثقافية عربية، دار شرقيات لنشر والتوزيع، ط. 1، 96 19، ص. 123.

(36)- رولان بارت: نقد وحقيقة، ترجمة: ابراهيم الخطيب، مراجعة محمد برادة، الشركة المغربية للناشرین المتحدين، الرباط، ط. 1، 1985، ص، 14 15.

(37) صبري حافظ: آفاق الخطاب النقدي، دار الشرقيات للنشر والتوزيع، ط، 1، 1996، ص. 20.

(38)-  H.G. Gadammer : Vérité et méthode, seuil, Paris, 1960, P. 140.

(39)- ميشال فوکو: نظام الخطاب، مرجع مذكور، ص. 78.

(40)- علي عقلة عرسمان: سياسة في المسرح، منشورات اتحاد كتاب العرب، تمشق، 1978، ص. 357.

(41)- ليونارد کایل بروتكو: المسرح الغربي في فرنسا، مسرح الطليعة، ترجمة: يوسف اسكندر، ص. 113.

 (42)- Umberto Eco : Lictor in fabula, op. cit.,P. 61.

(43)- د. الغالي أحرشاو: سيرورة اكتساب المعارف بين النمو والتعلم، مجلة علوم التربية، المجلد 2، عد د 17، أكتوبر 99 19، ص. 11.

(44)- غادامير: اللغة نموذج لبلوغ الوعي التأويلي، مجلة العرب والفكر العالمي، عدد 3، 1988، ص. 10.

 (45)- J. Gadammer : Vérité et méthode, op. cit., P. 246.

(46)- إسماعيل المصدق: المحطات الأساسية لفينومينونوجيا هوسرل، مدارات فلسفية، عدد 4، 2000، ص. 34.

(47)- M. Foucault : La quinzaine littéraire, N° 515, mai, 1986, P. 76.

(48)- ميشال فوكو: أركيزلوجية المعرفة، ترجمة: سليم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1986، ص. 83.

(49)- يحيى الجمل: النهضة العربية الثانية، تحديات وآفاق، حوار ات في الفكر العربي المعاصر، مؤسسة عبد الحميد شرمان، شرمات، عمان، الأردن، ج. 2، 2000، ص، 186.

(50)- Gilbert Durand: L'imaginaire symbolique, éd. P.U.F, Paris, 1964, P. 38-39.

(51)- جابر عصفور: مفهوم الشعر، دراسة في التراث النقدي، دار التنوير، بیروت، ط. 3، 1983، ص 155.

(52)- علي أحمد سعيد (أدوئيس): شعرية القراءة، الآداب، بيروت، عدد 7-9، 1985، ص، 17.

أنطر كذلك :

Umberto. Eco : Note sur la sémiotique de la réception, actes sémantiques, IX, Paris,  81, 1987, P. 9.

(53)- علي أحمد سعيد (أدوئيس): الشعرية العربية، مرجع مذكور، ص. 48.

عن الكاتب

ABDOUHAKKI




الفصـــل 25 من دستورالمملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي,والتقني مضمونة.

إتصل بنا