كورس كرنفاليٌّ ...
هذا الذي عنَّ لي من طاقة البيت الصغير ، الممتد
بين الأشـُنـَّة و الغياض على طول العريش الضليل . عُبَابٌ من غبار يشق العنان ،
ويحفر في الذاكرة تاريخا مليئا بحفر لا تكف عن ... الامتلاء . صاحت أمي نانا
المجدليّة بصوت أجش ، رفرفت له أسراب القطا من وُكناتها فوق أشجار الصنوبر
المنتشرة على حوافي الوادي ...
قائلة :
ـ " آيت عبو عزيزة ، هي ، برجالاتها
!
ـ آيت عبو عزيزة ، وفي مأمن من لسعات العقرب ! "
كانت الشمس تزورُّ على اليمين وعلى اليسار ،
مرسلة أطيافا من أجنحة أرجوانية دامعة ، كأنها تفارق هذا الكون الفسيح إلى الأبد .
خرجت المجدليّة من البيت الصغير ملسوعة ومخبولة ، تزنر جسدها النحيف بدثار أرقط َمُحَجَّلٍ
، كأنها تطارد الرَّدى والسَّقم ... ها هو قد حل على الأعتاب .
أريج موت على الأبواب ! إنه
أريج موت !
ركنت ناقلة جُنـْد على الضفة الغربية من آيت
عبو ، خرج منها رجلٌ أمردُ وأشمط ُ ، خالط السواد والبياض فوديه ، حمل مكبر صوت ،
و نادى بلهفة غامت فيها لـُثغة العقرب :
" ـ العمورية تريد أصواتا كالعرين ،
الوغى موحش ومُقفر من دون أسود .
ـ
قوموا لبوا النداء ... العمورية تريدكم !"
ارتمت نانا المجدليّة على نجم آفل قاص ، وهي
تتعلق بمناكبَ وأرداف تتدافع و تتكاثف كأدغال من غابات الصنوبر ، تتشرب نقعا
مسحوقا كالطين ؛ صخر مُرتو بدم القتلى ، منحوت بأظافر الشهداء ...
وقالت بصوت مهيض :
ـ باتت آيت عبو بيتا صغيرا ، باتت آيت
عبو يبابا وخرابا .
كانت أمي نانا المجدليّة تنظر، بعيون مائية و
حسيرة ، إلى ناقلة الجُند ، وقد اهتزت
وربت وأتـْرَعت بشباب في عنفوان الربيع ؛ عناقيدُ عنب كأطياف الظهيرة مسفرة تسري
في ارتواء آفل ؛ كمُزنة مقرورة ، كصهوة غيم في مهب رَوامس الخريف . دنت أمّي
المجدليّة من الناقلة ، وئيدة كما غدرها الزمن ، وتحلـَّبها ألما دفينا ؛ سنوات
عجاف . وبفم أثـْرمَ تغني لحنا علـَّها يُسعفها على صبر مفقود :
ـ " يا " عقة "!
يا صهوة عمري ، لا تغادر حنيني ،
ـ يا كبدي ! يا وَثء السنين ! أعطيتكَ فجرا من وجدي ،
ـ بين الجوى و الجوانح مهبطك الحامي،
ـ يا
" عقة " الأسد ، وتبقى الأسودُ أسود ا
."
بأصابعَ عَجْرَاءَ تستند إلى عكاز معقوف
القـُنة ، اقتربت و دنت دنوا وئيدا ؛ لتتحسس عن قرب شبان القرية ، الذين سيغادرون آيت
عبو إلى ساحة حرب مستعرة . بوجه ممتقع غالبه الحزن و الأسى ، وبعينين حسيرتين
تتفرس وجوها ، ينط منهما نزق حامي الوطيس، فبدأوا يتزربعون فوق حاوية الناقلة
بحركات بهلوانية ؛ بغية إخفاء الوالد وما ولد .
تعرفهم نانا المجدليَّة واحدا واحدا ، تجيل
الطرف علـَّها تعثر على فلذة كبدها المجوفة بالحرقة والكمد . كان " عقة " مسجَّى فوق
مصطبة قصبيَّة متشابكة السَّدى ، ملفوفا في خرقة بيضاءَ كالقطن ، تكوَّفوا و صعدوا
جميعا على جسده المنهوك من التعب ، حابسا أنفاسه ، كان ، دون أن يحدث أنينا أو
تأوها . أجالت المجدليَّة النظر ، وحوَّطت المكان بعينيها المائيتين من جديد ،
ليتخطـَّفها صوت محرك ناقلة الجنود .
رسم
الرجل الرَّبعة الأشمط على صفحة وجهه ابتسامة ماكرة ، فظلت أمي نانا المجدلية
مشدودة إلى هدير المركبة ، حتى ابتلعه صمت المكان . عادت أدراجها ، كما يعود
الهجير إلى تلك الربوع ، وهي تنشد لازمتها :
ـ " يا " عَقة "! يا وَثء السنين ! يا صهوة عمري ، لا تغادر حنيني ،
ـ يا كبدي ! أعطيتكَ فجرا من وجدي ."